يشكّل يوسف بك كرم الإهدني شخصيةً جدلية في التاريخ اللبناني، إذ يدور نقاش حول ما إذا كان يُنظر إليه بوصفه قديساً، أم مقاوماً بطلاً للاحتلال العثماني. غير أنّ هذا الجدل اكتسب بُعداً جديداً مع قبول مجمع دعاوى القديسين في الفاتيكان دعوى تطويبه، ما فتح الباب أمام إعادة قراءة شخصيته من منظور روحي، لا وطني فحسب.
لكنّ كثيرين يجهلون الجانب الإيماني والروحي في حياة كرم، ولذلك تتبدّد معظم الشكوك عند التعرّف إلى سيرته عن كثب.
ينتمي يوسف بك كرم إلى جرود شمال لبنان، من إهدن وزغرتا، وهما منطقتان عُرفتا بإيمان أهلهما العميق وتعلّقهما بالرب يسوع المسيح وأمه مريم العذراء، وهو ما يتجلّى في كثرة الكنائس والأديار وأماكن العبادة المنتشرة فيهما.
ولا شك في أنّ الرجل، الذي عاش في القرن التاسع عشر، تأثّر بهذه البيئة الروحية، فنشأ على حياة التقوى والإيمان، واكتسب فضائل بطولية قد يجهلها كثير من اللبنانيين الذين يعرفونه فقط بوصفه قائداً مقاوماً خاض المعارك ضد الاحتلال العثماني وأبلى فيها بلاءً حسناً.
ومن أبرز الفضائل التي تنقلها المصادر التاريخية عنه:
+ البتولية والطهارة
امتاز يوسف بك كرم بمحبة الطهارة، حتى قيل إنه لم ينظر طوال حياته إلى امرأة نظرة يُؤاخذ عليها. وقد عاش اثنتين وعشرين سنة في باريس ونابولي وغيرهما من المدن الأوروبية، ومع ذلك بقي محافظاً على هذه الفضيلة، حتى إنّ رجال الدين كانوا يقدّمونه مثالاً للطهارة ويحثّون المؤمنين على الاقتداء به. وبرغم مكانته الاجتماعية ووجاهته، بقي متبتلاً طوال حياته.
+ الاقتداء بالمسيح
تميّزت شخصية يوسف بك كرم بالصدق والثبات والصراحة. فقد ظلّ أميناً لالتزامه بالمسيح في أدقّ الظروف وأخطرها، ولا سيما أثناء المعارك التي خاضها. وكان لا يترك أوقات الصلاة مهما اشتدت المعارك، حتى عندما كانت القوات العثمانية تقترب من موقعه، ولم يكن يحمل السلاح ويباشر القتال إلا بعد أن يُتمّ صلاته.
+ المبدئية والزهد في المناصب
تمسّك كرم بتعاليم السيد المسيح وبالمبادئ الأخلاقية، الأمر الذي حرمه من مواقع سياسية كان يستحقها. فقد رفض اتباع الأساليب الملتوية والمناورات السياسية والمتاجرة بالمبادئ، مفضّلاً خسارة السلطة على خسارة ضميره.
+ الاتكال على الله والعذراء مريم
كان يوسف بك كرم يعزو بطولاته وانتصاراته العسكرية إلى العناية الإلهية وشفاعة العذراء مريم، وكانت صورة السيدة العذراء تُرفع على رايات رجاله في تنقّلاتهم ومعاركهم.
+ العطاء وخدمة المحتاجين
لم يتوانَ يوسف بك كرم، سواء في وطنه أو في منفاه، عن مدّ يد العون إلى الفقراء والمحتاجين، معتبراً أن خدمة الإنسان هي جزء لا يتجزأ من خدمة الله.
+ تأسيس أخوية مار يوسف
كانت ذاكرة كرم مشبعة بالتراث النسكي الذي عرفته أودية قنوبين وقاديشا وإهدن. وقد حمل هذا الإرث معه إلى روما، حيث سعى إلى تأسيس جماعة نسكية تعبّر عن رؤيته الروحية، وأسهمت في إطلاق حركة إرسالية مارونية في بلدان الانتشار.
بدأت هذه الجماعة بهدف جمع المسيحيين، ثم تطورت إلى أخوية علمانية لها نظامها الروحي الخاص، يقوم على العبادة ونشر رسالة المسيح في روما وبلاد المشرق، ولا سيما في إهدن. وكان شعارها: «نصنع واحداً، والله يصنع تسعةً وتسعين.»
وكان يوسف بك كرم يصف نفسه بأنه «حفنة من تراب»، ويعتبر أنه عاش حياة التائبين، منتقلاً من «آدم القديم» إلى «آدم الجديد»، مقدّماً قلبه فارغاً لله ليملأه بنعمه. كما شدّد على أهمية السهر الروحي والاستفادة من «اللحظة الخلاصية»، وطلب باستمرار نعمة التمييز والاستنارة بالروح القدس والاستقامة بحسب المشيئة الإلهية، لقيادة الجماعة التي أسسها.
ومن خلال سيرته يمكن استخلاص مجموعة من السمات الروحية البارزة:
– إيمان عميق تجلّى في حياة صلاة دائمة وثقة كاملة بالله.
الدفاع عن الحرية والكرامة باعتباره واجباً أخلاقياً نابعاً من الإيمان، لا مجرد خيار سياسي.
– الزهد في السلطة والمناصب، ورفض المساومة على المبادئ.
– قبول الألم والمنفى بروح الصبر والرجاء، من دون روح انتقام.
– التسامح والدعوة إلى المصالحة رغم ما تعرّض له من ظلم واضطهاد.
– النزاهة والاستقامة الأخلاقية، حتى في نظر خصومه.
– الاتكال الدائم على العناية الإلهية، والإيمان بأن مصير الإنسان والشعوب هو بين يدي الله.
ولا توجد، حتى اليوم، عجائب أُعلنت رسمياً وثُبّتت كنسياً بشفاعة يوسف بك كرم.
+ صلاة يوسف بك كرم إلى يسوع المصلوب:
«يا يسوع إلهي، يا من نزلت من السماء إلى الأرض، واحتملت الإهانة والعذابات والآلام والجلد والموت على خشبة الصليب من أجل خلاص البشر، أتوسل إليك أن تعطف عليّ، وتحفظني من الخطيئة، وتساعدني حتى أنال السعادة الأبدية. آمين.»


