العميد الركن مروان زاكي (م)
في كل الحروب والأزمات ، يبقى الفارق واضحاً بين من يعيش الحدث ومن يراقبه من بعيد . فالمقاومون على خطوط المواجهة غالباً ما يكونون أقل الناس كلاماً ، لأنهم يعرفون حقيقة الثمن الذي يُدفع . أما الجالسون في الأماكن المكيّفة ، فيخوضون معاركهم عبر الشاشات والمنابر ، يحمّسون ويعبّئون ويرفعون سقف الشعارات ، من دون أن يتحملوا تبعات ما يدعون إليه .
ومن هنا يمكن القول إننا أمام ما يشبه حرب النظّارات ، حيث تُدار بعض المعارك من خلف الشاشات والزوايا الآمنة ، ويخوضها من يراقب المشهد أكثر مما يعيشه . هي حرب لا تحتاج إلى غبار الميدان ولا إلى رائحة الخطر ، بل إلى شاشة مفتوحة وصوت مرتفع وموقف جاهز للاستهلاك الإعلامي . في هذه الحرب الافتراضية ، تُرفع الشعارات ، وتُوزَّع التضحيات بسخاء على الآخرين ، فيما يبقى أصحابها خارج أي اختبار للمسؤولية أو الكلفة .
من يقف في الميدان يرى الخسائر ، ويعرف أن كل قرار قد يعني حياة إنسان أو مصير عائلة أو مستقبل وطن . لذلك يكون صمته أبلغ من كثير من الخطب ، وثباته أصدق من كثير من الشعارات .
هناك من جعل من الحروب مادة للخطابة والاستعراض ، فصار رأسماله التشجيع والتحريض ، فيما يبقى هو وعائلته في مأمن من كل المخاطر . هؤلاء لا يدفعون سوى ثمن الكلمات ، بينما يدفع الآخرون أعمارهم وبيوتهم وأحلامهم .
ليس المقصود التقليل من أهمية الدعم المعنوي ، لكنه يفقد قيمته عندما يتحول إلى دعوة مفتوحة للآخرين كي يضحوا ، فيما يبقى صاحب الدعوة خارج دائرة التضحية . فالوطنية الحقيقية لا تُقاس بارتفاع الصوت ، بل بمدى الاستعداد لتحمل المسؤولية ومشاركة الناس أعباءهم .
ومن هنا ، فإن احترام من يقفون في الصفوف الأمامية يقتضي التوقف عن المتاجرة بتضحياتهم أو استخدامها منصة للمزايدات . فهناك من يكتب التاريخ بالفعل ، وهناك من يكتفي بالتعليق عليه من خلف الشاشات . وبين الاثنين فرق كبير لا تخطئه عين .


