في كل أزمة أو حرب ، يتكرر المشهد ذاته :
الجميع يعلن انتصاره . هذا يتحدث عن الصمود ، وذاك عن الردع، وآخر عن كسر المعادلات . تتبدّل العناوين ، لكن المضمون واحد : لا أحد يعترف بالخسارة ، وكأن الهزيمة أصبحت محرّمة في القاموس السياسي .
لكن بعيداً عن البيانات والخطابات ، هناك حقيقة أكثر صمتاً ووضوحاً ، الشعب هو من يدفع الثمن كاملاً . لا يملك رفاهية إعادة التفسير ، ولا قدرة على تحويل الخسائر إلى شعارات . بالنسبة له ، الخسارة ليست وجهة نظر ، بل واقع يومي يُعاش .
البيوت التي تُدمَّر لا تُعاد بخطاب ، والاقتصاد الذي ينهار لا يُرمَّم بتصريح ، والخوف الذي يسكن الناس لا يُمحى بإعلان النصر . وبين كل هذه الانتصارات ، يكبر شعور عام بأن ما يُقال في السياسة لا يشبه ما يُعاش في الحياة .
المشكلة ليست فقط في تضارب الروايات ، بل في غياب معيار حقيقي للنصر . فالنصر في أي دولة يجب أن يُقاس باستقرار شعبها ، بأمنه ، بقدرته على العيش بكرامة . أما حين يتحول إلى مجرد تفوق إعلامي أو تسجيل نقاط سياسية ، فهو نصر ناقص… إن لم يكن وهمياً .
في لبنان ، تتكرر هذه المعادلة بشكل مرهق .
الربح في الخطاب ، لكن الدولة تضعف ، والمجتمع يتعب ، والناس تفقد تدريجياً قدرتها على الاحتمال . وهنا تتحول الانتصارات . إلى عبء ، لا إلى إنجاز .
الحقيقة البسيطة التي يتم تجاهلها عمداً هي أن الأوطان لا تُبنى بانتصارات متنازع عليها ، بل بنتيجة واحدة واضحة ، هل تحسّن حال الناس أم لا؟
حين يعلن الجميع انتصارهم ، لا يكون ذلك دليل قوة…
بل دليل أزمة .
لأن النصر الحقيقي لا يحتاج إلى تكرار ، ولا إلى تبرير ، ولا إلى إقناع .
النصر الحقيقي يُرى في حياة الناس… لا في كلام المنتصرين .


