لم يُبنَ لبنان على المواطنة بقدر ما تشكّل على الانتماءات الطائفية والمصالح الضيقة . فيُختصر القرار السياسي غالباً بحماية الطائفة قبل حماية الوطن . كان يُفترض أن يكون التنوع مصدر غنى ، لكنه تحوّل إلى أداة انقسام ، وصدى دائم لصراعات الماضي ، وجسراً لتصدعات لا تنتهي .
يبدأ تاريخنا الحديث مع حقبة ما سمي ، المارونية السياسية ، التي رفعت شعار حماية الهوية والسيادة ، لكنها بقيت محكومة بهواجسها ومصالحها . ثم جاءت القضية الفلسطينية ، فأعادت تشكيل التوازنات ، ومنحت النفوذ السني بعداً جديداً ، بما حملته من تحالفات وأزمات . أما اليوم ، فقد تجاوز النفوذ الشيعي المدعوم من إيران حدوده الداخلية ، ليتشابك مع صراعات الإقليم ، ويزيد المشهد اللبناني تعقيداً وانقساماً . وحدها الأقليات بقيت على هامش هذا الصراع ، قد يكون السبب لصغر حجمها أو لعجزها عن التأثير في مسار تتنازعه قوى أكبر منها .
هذا الواقع يستحضر تجارب تاريخية مشابهة ، كإسبانيا في زمن الممالك المتناحرة خلال الحكم العربي ، حيث توحّد الدين ، لكن السياسة فرّقت ، والمصالح بدّدت أي أفق للوحدة . غير أن لبنان أكثر تعقيداً : فيه تتداخل الدين ، بالسياسة ، فتتعمّق الانقسامات وتزداد كلفتها على الجميع .
المشكلة لم تعد في التنوع ، بل في طريقة إدارته . فحين كان المطلوب أن يكون الدفاع عن الأرض والحقوق مسؤولية جامعة ، تحوّل إلى نزاع داخلي ، وانشغلنا بالمحاصصات بدل المواطنة . صار الانتماء للطائفة بديلاً عن الانتماء للوطن ، وتراجعت الهوية المشتركة التي يفترض أن توحّد المصير .
كانت النتيجة ، مؤسسات منهكة ، فساد مستشرٍ ، اقتصاد يترنّح ، شباب يهاجر ، وأحلام تُهدر في زحمة الحسابات الضيقة . كل أزمة تكشف عمق الانقسام ، وكل استحقاق يفضح عجز الدولة . لم يعد واضحاً من يقرّر ، ولا من يحمي ، ولا من يضع المصلحة العامة فوق أي اعتبار .
لم يعد المواطن شريكاً في الوطن ، بل متلقّياً للخسائر . يدفع الثمن كاملاً ، بينما تتقاسم القوى الطائفية النفوذ بلا مسؤولية .
إلى متى نبقى أسرى هذه المعادلة؟
ومتى يصبح الوطن أولوية تتقدّم على كل طائفة؟
لبنان لم يُخلق ليكون ساحة صراع بين الطوائف . جمعتنا الجغرافيا ، وفرّقتنا الطائفية . وكان يمكن لهذا البلد أن يكون وطناً للجميع ، لو سبق الانتماءُ الوطني كل ما عداه .
إن لم نُصلح علاقتنا بأنفسنا أولاً، سنبقى غرباء في وطننا، وسنستمر في دفع الثمن… جميعاً، بلا استثناء


