لبنان لم يصل إلى هذا الدرك من الانفلات صدفة ، ولا بفعل طرف واحد فقط ، بل نتيجة تراكم خيارات كرّست منطق القوة على حساب الدولة . صحيح أن الممارسات الفئوية ساهمت في تعميق هذا الواقع ، حين تحوّل السلاح إلى عنصر داخلي في السياسة ، لكن الأخطر أن هذا السلوك لم يبقَ استثناءً ، بل صار نموذجاً يُقلَّد .
ما نشهده اليوم من عراضات متقابلة ليس إلا انعكاساً لثقافة انتشرت ، كل جماعة ترى نفسها قادرة مقابل جماعة اخرى ، وكل طرف يبرّر تجاوزاته بردّ فعل على الآخر . وهنا يكمن جوهر الأزمة ، لأن الانحدار لا يصبح خطراً فقط عندما يبدأ ، بل عندما يتحوّل إلى قاعدة .
هذه ليست قوة ، بل تعبير عن ضعف جماعي ، حيث تتحوّل الطائفية من انتماء إلى عصبية عمياء ، وتصبح الدولة تفصيلاً . وعند هذه النقطة ، لا يعود السؤال من بدأ ، بل كيف نوقف هذا الانزلاق .
الحل ليس نظرياً بالكامل ، بل لدينا نماذج عشناها . في المدرسة الحربية ، لم يكن مسموحاً لأي تلميذ أن يعرّف نفسه إلا بصفته تلميذاً ضابطاً لبنانياً . يومها ، انتزع الملازم انذاك فؤاد الأشقر إشارة دينية من على صدر أحد التلامذة قائلاً بوضوح ، هنا لا طوائف ، هنا لبنان . والمفارقة أن الضابط والتلميذ كانا من البيئة نفسها ، ما يؤكد أن المسألة لم تكن استهدافاً لطائفة ، بل حماية لفكرة المؤسسة .
مشهد آخر وبعد الحرب الأهلية ، ومع إعادة توحيد الجيش ، لم يكن الأمر قراراً إدارياً فقط ، بل إعادة بناء للعقيدة . ودورات لحمة لم تكن تدريباً عسكرياً بقدر ما كانت إعادة صياغة للانتماء . في ثكنة القبة في طرابلس ، وحين حاول أحد الجنود إدخال سلوكه الطائفي إلى داخل المؤسسة ، جاء ردّ النقيب انذاك المرحوم معن الضناوي حازماً وجريئاً . اللافت أيضاً أن الضابط والجندي كانا من البيئة نفسها ، في تأكيد جديد أن الانضباط لا يُقاس بالانتماء ، بل بالالتزام .
هنا تكمن الوطنية الحقيقية ، أن يُواجه الخطأ من داخل بيئته قبل أن يُدان عند الآخرين ، وأن يكون الانتماء للدولة أعلى من أي انتماء آخر . ليس المطلوب قمع الناس ، بل فرض قواعد واحدة على الجميع ، بلا استثناء .
لبنان لا ينقصه التنوّع ، بل ينقصه ميزان يضبط هذا التنوّع . وعندما تصبح الدولة هي هذا الميزان ، تسقط تلقائياً كل العراضات ، ويعود الوطن فكرة تُبنى ، لا ساحة تُستباح .


