
خاص الكلمة أونلاين
تقلا صليبا
لم يعد الفضاء مجرّد مجال لدعم العمليات العسكرية والاستخباراتية، بل بات ساحة متزايدة الأهمية في الحروب الحديثة، مع اعتماد الجيوش على الأقمار الاصطناعية في الاستطلاع والإنذار المبكر والاتصالات وتوجيه العمليات، وفي هذا السياق، أعلن الجيش الإسرائيلي تعيين مسؤول جديد لقيادة تشكيل عسكري متخصص بالفضاء، ضمن توجه لتطوير القدرات العملياتية وتوحيد الجهود التي كانت موزعة بين وحدات مختلفة.
ويطرح هذا التطور تساؤلات حول طبيعة التحول العسكري الذي تسعى إسرائيل إلى تحقيقه، ومدى تأثيره على شكل الحروب المقبلة.
وفي حديث لـ”الكلمة أونلاين”، يوضح العميد الركن الطيار المتقاعد أندره بومعشر، رئيس الهيئة التنفيذية لمركز الولاء للوطن للبحوث والدراسات، أن إنشاء هذا التشكيل يعكس تطورًا في العقيدة القتالية الإسرائيلية، وانتقالًا من استخدام الفضاء كوسيلة دعم واستخبارات إلى اعتباره مجالًا للعمليات العسكرية المباشرة.
ويشير بومعشر إلى أن الفرق بين امتلاك الأقمار الاصطناعية وإنشاء قيادة متخصصة لإدارة العمليات المرتبطة بها يكمن في توحيد القدرات ضمن منظومة قيادة وسيطرة واتصالات واستخبارات متكاملة، بما يتيح تحسين اكتشاف الأهداف وتتبعها وتوجيه النيران واعتراض التهديدات، كما يرى أن تعيين قائد مستقل يكرّس الفضاء بُعدًا إضافيًا للعمليات العسكرية، إلى جانب البر والبحر والجو، في إطار العمليات المشتركة متعددة المجالات.
ويلفت إلى أن الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا يوسّع في المقابل نقاط الضعف، إذ يمكن للحرب الإلكترونية والتشويش والخداع الإلكتروني والهجمات السيبرانية تعطيل الاتصالات والملاحة والمستشعرات، من دون الحاجة إلى تدمير الأقمار الاصطناعية نفسها، لذلك، تصبح حماية الشبكات وتعدد البدائل وضمان استمرارية العمليات عناصر أساسية في الحروب الحديثة.
أما في ما يتعلق بإمكان تطوير قدرات هجومية في الفضاء، فيوضح بومعشر أن التوجه لا يقتصر على الأسلحة المدارية، بل يشمل أيضًا تطوير وسائل لتعطيل قدرات الخصم الإلكترونية والسيبرانية والفضائية وحرمانه من حرية العمل، لكنه يشدد على أن إنشاء التشكيل الجديد لا يثبت بحد ذاته امتلاك إسرائيل منظومات هجومية فضائية جديدة.
ويعتبر أن توقيت هذه الخطوة يرتبط بالدروس المستخلصة من الحروب الحديثة، ولا سيما أهمية الإنذار المبكر والدفاع الصاروخي متعدد الطبقات، مشيرًا إلى دور المستشعرات الفضائية في كشف الصواريخ الباليستية وتتبعها ودعم اعتراضها خارج الغلاف الجوي، كما في منظومة “حيتس 3″، فضلًا عن التحديات المرتبطة بالصواريخ فرط الصوتية.
ويخلص بومعشر إلى أن إنشاء قيادة متخصصة بالفضاء يعكس تحولًا نحو التكامل العملياتي بين مختلف المجالات العسكرية، مؤكدًا أن مبادئ الحرب لا تتغير جوهريًا، بل تتطور العقيدة والتنظيم وأساليب القتال مع تطور الوسائل، فيما يبقى التفوق مرهونًا بقدرة الجيوش على دمج قدراتها والمحافظة على فاعليتها في بيئة إلكترونية وسيبرانية متنازع عليها.


