الكل نصب كمينًا ليسوع.
الفريسيون والهيرودسيون، رغم العداوة التاريخية بينهم، اتفقوا عليه. تمامًا كما يحدث عندنا: يختلفون على الكرسي، ويتفقون على الشعب. وكان سؤالهم فخًا منصوبًا: أيجوز أن ندفع الجزية لقيصر أم لا؟ إن قال نعم، اتهموه بالعمالة للمحتل الروماني. وإن قال لا، أسلموه للرومان بتهمة التحريض.
لكن يسوع لم يقع في الفخ. طلب دينارًا وسألهم: لمن هذه الصورة وهذا النقش؟ قالوا: لقيصر.
فقال كلمته التي هزت التاريخ: أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله.
ما الذي لقيصر عندنا في لبنان اليوم؟ يسوع لم يكن ضد الدولة ولا ضد النظام. ما لقيصر يعني أن تكون مواطنًا صالحًا. أن تدفع ما عليك، وأن تحترم القانون، وألا ترمي نفاياتك في الشارع، وأن تعمل بضمير. لكن المشكلة في لبنان أن قيصر تكاثر وتعدد. قيصر عندنا صار الزعيم، والحزب، والتيار والبنكرجية والطائفة، والمنظومة كلها. صرنا نعطي كل وقتنا وأعصابنا وقلبنا لقيصر. من الصباح حتى المساء أمام نشرات الأخبار، وعلى مواقع التواصل، في سجال لا ينتهي: من قال، ومن ردّ عليه… حتى نسينا الله.
وما الذي لله؟ هنا يكمن قلب الرسالة. يسوع سأل عن صورة على قطعة نقدية، ليذكّرنا بصورة أهم بما لا يقاس. نحن. نحن العملة التي تحمل صورة الله. منذ يوم معموديتنا، انطبع وجه المسيح فينا، وخُتمنا بختم الروح القدس. السؤال اليوم في لبنان ليس لمن تدفع الضريبة. السؤال الحقيقي هو: لمن تنتمي فعلًا؟ هل تنتمي لصورة قيصر المطبوعة على الليرة التي فقدت قيمتها؟ أم تنتمي لصورة الله المطبوعة فيك؟
الخطر الأكبر عندنا هو أننا صرنا نعطي ما لله لقيصر. أعطينا الكنيسة للسياسة، وأعطينا الإيمان للزعيم.
نصلّي للقديسين ليخلصونا من قيصر، بينما نحن نصنع قيصرًا جديدًا ونعبده. نعطي لقيصر كل شيء: وقتنا، خوفنا على الدولار، غلاء المعيشة، غضبنا على الواقع، قلقنا على الغد… وعندما نصل إلى الله نقول له : ليس لدي وقت، أنا متعب.
اللبناني الحق وخصوصًا المسيحي الحقيقي في لبنان اليوم مدعو ليعيش الأمرين معًا: أن يكون لبنانيًا شريفًا، يبني وطنه، لا يساوم ولا يسرق، ويعطي قيصر حقه في إطار القانون والمواطنة. وأن يكون ابنًا لله، يعطي الله حقه. وحق الله هو أنت ذاتك. قلبك. صورته فيك. لذلك اليوم، وقبل أن تفتح محفظتك لترى ما تبقى فيها من صور لقيصر العصر، افتح قلبك واسأل نفسك بصدق:
أنا اليوم، وجه من أحمل؟ وجوه قيصر التي أتعبتنا وقسّمت البلاد؟ أم وجه الله الذي يجمع ويخلّص؟


