ليست مزحةً، وليست نكتةً يتداولها الشبابُ على واتساب.
إنها مأساةٌ حقيقيةٌ نعيشها في كنيستنا. مطرانٌ، راعٍ، خليفةُ الرسلِ، كلما كتبَ له أحدُ كهنتِه كلمةً ليست على خاطرِه، أو ملاحظةً رعويّةً صادقةً، أو عتابَ ابنٍ لأبيه… يضغطُ زرًا صغيرًا على هاتفه: بلوك.
محامٍ كنسيٌّ، يفترضُ أن يكونَ لسانَ الحقِّ والعدالةِ، إذا واجهتَه بالحقيقةِ الظاهرةِ، بالدليلِ والبرهانِ، بدلَ أن يجيبَك، يهربُ إلى الزرِّ نفسِه: بلوك.
ومطرانٌ آخرُ، عندما تكشفُ كذبَه على الورقةِ والقلمِ، بالأرقامِ والتواريخِ، لا يجدُ جوابًا إلا الهروبَ إلى مملكةِ الزرِّ الأزرقِ: بلوك.
ونسألُ بكلِّ حرقةٍ: هل هذه مواقفُ السيّدِ المسيحِ؟ هل السيّدُ المسيحُ الذي ترك التسعةَ والتسعينَ وذهبَ يبحثُ عنِ الخروفِ الضالِّ، يعملُ بلوكًا للخروفِ إذا قالَ له الحقيقةَ؟ هل السيّدُ المسيحُ الذي غسلَ أرجلَ تلاميذِه، حتى أرجلَ يهوذا الذي سيخونُه، يغيّرُ طريقَه إذا رأى كاهنًا من أبرشيّتِه على بعدِ مترينِ، حتى لا يضطرَّ أن يقولَ له “السلامُ معك”؟ سمعناها بأمِّ العينِ: مطرانٌ يرى كاهنًا من كهنتِه صدفةً في مكانٍ عامٍّ، وبينهما مترانِ فقط، فيغيّرُ اتجاهَه، ويديرُ وجهَه، حتى لا يسلّمَ عليه. يا للعارِ! هل تظنُّ يا سيّادةَ المطرانِ أنّك بهذا التصرّفِ تظهرُ أنّك على حقٍّ؟ كلّا وألفُ كلّا. أنتَ تظهرُ فقطْ أنّك ضعيفٌ، وأنّك لا تملكُ الحجّةَ. الراعي الصالحُ لا يهربُ من خرافِه. الراعي الصالحُ يواجهُ، يعاتبُ، يحاورُ، يغفرُ. أمّا الراعي الذي يختبئُ وراءَ شاشةٍ ويوزّعُ البلوكاتِ يمينًا وشمالًا، فهو ليسَ راعيًا، بل موظّفُ علاقاتٍ عامّةٍ فاشلٌ.
دعونا نسمّي الأشياءَ بأسمائِها:
البلوكُ ليسَ حلًّا رعويًّا، بل هو اعترافٌ بالفشلِ. عندما تعملُ بلوكًا لكاهنٍ، فأنتَ تقولُ له: أنا لا أستطيعُ أن أواجِهَك، حجّتُك أقوى من حجّتي، فأهربُ.
البلوكُ ليسَ سلطةً، بل هو استبدادٌ صغيرٌ. تستخدمُ سلطتَك الكنسيّةَ لا لتبنيَ، بل لتُسكِتَ. تظنُّ أنّك إذا أسكتَّ الصوتَ على هاتفِك، تكونُ قد أسكتَّ الحقيقةَ في السماءِ؟ الحقيقةُ ستصرخُ من الحجارةِ.
الخلافُ بين شخصين طبيعي ولكن لا يُحلُّ بالقطيعةِ الليتورجيّةِ. إذا كانَ بينك وبينَ كاهنٍ خلافٌ على إدارةٍ، أو مالٍ، فالقانونُ الكنسيُّ وُجدَ ليحلَّ ذلكَ. أمّا أن تحوّلَ الخلافَ إلى قطيعةٍ روحيّةٍ، فلا تردُّ السلامَ، فهذا ليسَ تصرّفَ أسقفٍ، بل تصرّفَ طفلٍ صغيرٍ في ملعبِ المدرسةِ.
ماذا تعلّمُنا يا صاحب السيادة؟ تعلّمُنا أنّكَ أنتَ المتألّمُ، وليس نحنُ. الكاهنُ الذي كتبَ لكَ كلمةً جارحةً لأنه موجوعٌ، لا يزالُ يحترمُك في قلبِه وينتظرُ منك كلمةَ أبٍ. أمّا أنتَ عندما تعملُ له بلوكًا، فأنتَ تعلّمُ كلَّ أبناءِ الأبرشيّةِ درسًا خطيرًا: لا تقولوا الحقيقةَ، وإلّا سيكونُ مصيرُكم الحذفُ. هل هكذا نواجهُ الحقيقةَ؟
نحنُ لا نقولُ إنّنا نملكُ كلَّ الحقيقةِ. ربّما نحنُ مخطئونَ في جزءٍ منها. لكنّ الراعيَ الحقيقيَّ لا يخافُ من جزءِ الحقيقةِ الآخرِ. يجلسُ، يسمعُ، يميّزُ. أمّا أن تقولَ: هذه ليست كلَّ الحقيقةِ، ثمّ تهربُ وتعملُ بلوكًا حتى لا تسمعَ بقيّةَ الحقيقةِ، فهذه قمّةُ التناقضِ.
يا صاحبَ السيادةِ، انزعْ البلوكَ من هاتفِك، قبلَ أن ينزعَ اللهُ البركةَ من أبرشيّتِك. المسيحُ لم يعملْ بلوكًا لبطرسَ عندما أنكرَه ثلاثَ مرّاتٍ، بل نظرَ إليه نظرةَ حبٍّ فبكى. المسيحُ لم يعملْ بلوكًا لتوما عندما شكَّ، بل قالَ له: هاتِ يدَك والمسْ جراحي. تعلّمْ من المعلّمِ. فالزرُّ الذي يبني الكنيسةَ ليسَ زرَّ حظر، بل زرُّ اغفر لهم يا أبتاه.
وأخيرًا، الكاهنُ الذي تغيّرُ طريقَك حتى لا تسلّمَ عليه، سيبقى كاهنًا إلى الأبدِ بحسبِ طقسِ ملكيصادقَ. أمّا أنتَ، فتذكّرْ أنّك ستحاسَبُ يومًا ليسَ على عددِ البلوكاتِ التي صنعتَها، بل على عددِ الخرافِ التي أضعتَها وأنتَ تهربُ منها.


