
لم أكن أتصوّر أن يأتي يوم أتابع فيه أخبار فرنسا بالقلق نفسه الذي اعتدت أن أتابع فيه أخبار لبنان. فهناك، حيث يتابع ابني دراساته العليا في اختصاصه، لم تعد الأحداث مجرّد عناوين سياسية أو مشاهد احتجاجات تتناقلها الشاشات، بل باتت تفاصيل تمسّ طمأنينة أم وأبٍ، مثل كثير من الامهات والآباء اللبنانيين الذين أرسلوا أبناءهم إلى الخارج، آملين أن يجدوا ما افتقدوه في وطنهم من استقرار وأمان.
ولفرنسا في وجدان اللبنانيين مكانة خاصة، فهي بالنسبة لهم «الأم الحنون». «لكن ماذا يحدث عندما تصبح هذه الأم نفسها قلقة، وتضطرب شوارعها، فيجد اللبناني نفسه يتساءل عمّا إذا كان أبناؤه قد ابتعدوا فعلًا عن الأزمات التي أراد تجنيبهم إيّاها؟
ومن هذه المفارقة، تستيقظ في الذاكرة مشاهد 17 تشرين الأول 2019 في لبنان، يوم خرج الناس إلى الشوارع تحت راية ما سُمّي «الثورة»، حاملين غضبهم من واقع سياسي ومعيشي لم يعودوا قادرين على احتماله.
«قد تختلف البلدان والظروف، لكن قلق الأهل على مستقبل أبنائهم يبقى واحدًا، من بيروت إلى باريس، وإلى أي بقعة من العالم.»
لا أريد أن أقارن فرنسا بلبنان، ولا أن أضع تجربتين مختلفتين في ميزان واحد. ففرنسا دولة تمتلك مؤسسات وتقاليد ديموقراطية راسخة، فيما لا يزال لبنان يبحث عن دولة تستطيع أن تحمي أبناءها وتصون حقوقهم. لكنّ ما يجمع المشهدين هو ذلك القلق الذي يتسلّل إلى النفوس عندما يشعر المواطن بأن الغد لم يعد مضمونًا كما كان يعتقد.
وأنا أتابع ما يجري، أفكّر أيضًا في آلاف العائلات اللبنانية التي يعيش أبناؤها في فرنسا. كم من أمّ تنتظر اتصالًا يطمئنها؟ وكم من أبٍ يتابع الأخبار، ثم يرفع هاتفه ليسأل سؤالًا واحدًا: «أنت بخير؟».
قد يبدو السؤال عاديًا لمن لم يعرف معنى أن يكون قلبه في بلد وجسده في بلد آخر. لكنه بالنسبة إلينا يحمل تاريخًا طويلًا من الحروب والأزمات والخيبات، ويختصر خوفًا قديمًا كنّا نأمل ألّا نورّثه لأبنائنا.
ولا يعني ذلك أن فرنسا فقدت قدرتها على حماية ابنائها والمقيمين على أرضها، أو أن اللبنانيين فيها باتوا مستهدفين. فالاحتجاج حقّ في المجتمعات الديموقراطية، والاضطرابات، مهما كانت مقلقة، لا تعني بالضرورة انهيار الاستقرار. لكنّ الأب لا ينتظر التحليلات السياسية ليقلق، ولا يحتاج إلى أرقام وتقارير كي يخاف على ابنه.
وإذا كان اللبنانيون قد اعتادوا النظر إلى فرنسا بوصفها «الأم الحنون»، فإنهم يتمنّون اليوم أن تتجاوز هذه المرحلة بما يحفظ أمنها واستقرارها، ويصون حقّ شعبها في التعبير عن مطالبه.
«أما أنا، فلا أتمنّى لفرنسا أن تكون بلدًا بلا احتجاجات أو خلافات، فاختلاف الآراء وحرية التعبير من صميم الحياة الديموقراطية. لكنني أتمنّى أن تتجاوز هذه المرحلة بما يحفظ وحدتها واستقرارها وكرامة شعبها، وأن تبقى كما عرفناها، منارةً للحرية والثقافة والإنسانية، وملاذًا للأمل لا للخوف. ففرنسا التي أحببناها لم تكن يومًا مجرّد أرضٍ يقيم عليها أبناؤنا، بل وطنًا له في وجداننا مكانة لا تختصرها المصالح ولا تحدّها المسافات.»
«لقد أمضينا أعمارنا نقلق على أبنائنا وهم إلى جانبنا في لبنان… «فهل كُتب علينا أن نظلّ نقلق عليهم حتى بعدما ابتعدوا عنه بأجسادهم، وبقيت قلوبهم معلّقةً به؟»


