
«لم تكن المأساة في انقطاع شعرة معاوية بين الدولة وحزب الله، بل في وطنٍ دفع ثمن انقطاعها خرابًا ودمارًا، ثم عاد يفتّش بين أنقاضه عن الشعرة نفسها، كأن التاريخ لم يعلّمه شيئًا».
فكم مرّة دفع اللبنانيون ثمن قرارات لم يشاركوا في اتخاذها، وحروب لم يُستشاروا في خوضها؟ وأيّ معنى يبقى لسيادة دولة لا تحتكر قرار الحرب والسلم، فيما يُترك شعبها وحيدًا في مواجهة العواقب؟ أليست المأساة أن يتحوّل الاستثناء إلى قاعدة، والخوف من الانفجار إلى ذريعة دائمة لتأجيل الحلول؟
اليوم، يفرض الواقع سؤالًا أكثر إلحاحًا: كيف تستعيد الدولة قرار الحرب والسلم من دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية؟ وهل يدرك حزب الله أن استمرار السلاح خارج سلطة المؤسسات الشرعية لم يعد مجرد خلاف على الصلاحيات، بل بات يمسّ جوهر الدولة ومستقبلها؟
وأين يقف الجيش اللبناني من هذه المعادلة؟ أليس من حقّه، ومن حقّ اللبنانيين، أن يكون المؤسسة العسكرية الوحيدة المؤتمنة على أمن الوطن وسيادته؟ وكيف يُطلب منه ضمان الاستقرار، فيما تبقى قرارات مصيرية تتصل بأمن البلاد خارج سلطته
لكن، هل المطلوب من الحوار أن يعالج أسباب الأزمة، أم أن يتحوّل إلى وسيلة لشراء الوقت؟ وكم من تفاهمٍ وُلد على طاولات الحوار، ثم سقط عند أول امتحان، تاركًا اللبنانيين أمام المأزق نفسه؟
وهل يجوز أن يصبح هاجس الفتنة ذريعة لتعليق السيادة إلى أجل غير مسمّى؟ فالحكمة ليست في تجنّب المواجهة بأي ثمن، بل في إزالة أسبابها، والسلم الأهلي لا يُصان بإضعاف الدولة، وإنما بقيام دولة لا يشعر فيها أحد بأنه يحتاج إلى قوة خارج مؤسساتها لحماية وجوده ومستقبله.
كيف نطمئن الجميع تحت سقف الدولة، من دون أن تبقى السيادة رهينة السلاح والخوف؟ وهل تعلّمنا من مآسينا أن الوطن لا يحتاج إلى غالب ومغلوب، بل إلى قانون يحكم الجميع، أم أننا سنظلّ نحتفل بالنجاة من الهاوية، فيما نواصل السير نحوها؟
فهل بقي للبنان متّسع من الحكمة قبل أن تسبقه كارثة جديدة؟ أم أننا سنظلّ نبحث عن تسويات تؤجّل الانفجار، بدل أن نعالج أسبابه؟
لقد أثبتت التجارب أن شعرة معاوية، مهما بلغت مرونتها، لا تصلح بديلًا من الدستور، ولا ضمانةً لوطن تتنازع فيه مرجعيات القرار.
فهل آن للبنانيين أن ينتقلوا من التمسّك بشعرة تمنع السقوط، إلى بناء دولة لا تخشى السقوط بانقطاعها؟


