
أخطر ما يفعله الفاسد في لبنان أنّه ينهب المال ثم يقلب الموازين: يصير الشريف ساذجًا، والناهب «شاطرًا»، والصامت حكيمًا؛ أمّا القاضي الذي يجرؤ على فتح الملف، فيُحاكَم قبل المتّهم، وتصبح ملاحقة الجريمة أخطر على «السلم الأهلي» من ارتكابها
لا تنتهي سلطة السياسي الفاسد بخروجه من الحكم؛ قد يترك الكرسي وتبقى شبكته تتحكّم بالتعيينات والصفقات ومصائر التحقيقات، وقد يعتلي منبر المعارضة ليطالب بمحاسبة مَن تقاسم معهم المغانم. فالعبرة بما تقترفه يداه، لا بالموقع الذي يشغله: مَن يحمي؟ وماذا يعطّل؟ وكيف تتضخّم ثروته كلّما افتقر الناس؟ وكم من سياسيٍّ مدّ يده إلى مال الدولة، ثم رفعها يقسم أنّه حاميها!

وحين يطرق القضاء أبواب هذه المصالح، يُلبِس السياسي الفاسد ملفّه عباءة الطائفة، ويضع صفقاته في عهدة «السلم الأهلي»، ويحوّل استدعاءه إلى اعتداءٍ على جماعته. هكذا يُراد للبنانيين أن يختاروا بين حقوقهم واستقرارهم، وأن يقبلوا بنهبهم ثمنًا لسلامتهم.
هنا يُختبَر معدن القاضي: حين يصبح للاسم وزنٌ أثقل من الدليل، وللهاتف سطوةٌ أقوى من القانون. فالقاضي النزيه يُبقي الجريمة عاريةً من ألقاب مرتكبها، ويمنع يد النافذ من الوصول إلى ميزان العدالة. وفي بلدٍ يُسأل فيه المظلوم: «مَن يحميك؟»، يمنح القضاء معناه حين يصبح الجواب: «لن تحتاج إلى أحد كي تأخذ حقّك».
لكنّ الدفاع عن القضاء لا يمنح قضاته حصانةً من المحاسبة. فحين يبيع القاضي حكمه، يشتري الفاسد براءته، ويُسلب المظلوم حقّه باسم القانون نفسه. تلك خيانةٌ تضرب العدالة من داخلها، وتحوّل ملاذ الناس الأخير إلى شريكٍ في قهرهم. لذلك، تُصان هيبة القضاء بكشف مَن يتاجر بأحكامه ومحاسبته، وبحماية مَن يحفظ قسمه، كي لا تصبح الاستقامة عبئًا على صاحبها، والخيانة طريقًا إلى الحظوة والترقّي.
ولا يكفي أن نصفّق للقاضي الشجاع ثم نتركه يدفع وحده ثمن شجاعته: تهديدًا لأمنه، أو نقلًا عقابيًا، أو تعطيلًا لملفّاته. فاستقلال القضاء يُقاس بقدرة القاضي على بلوغ الحقيقة، وبقدرة الدولة على إنفاذ حكمه مهما اشتدّ نفوذ المحكوم عليه. وأيّ عدالةٍ تلك التي يعود منها المظلوم بورقةٍ تثبت حقّه، ويخرج منها الناهب محتفظًا بما سرق؟
يبدأ خلاص لبنان حين يعجز السياسي الفاسد عن دفن ملفّه، ويفشل اتّصال الزعيم في وقف ملاحقته، ويبلغ الحكمُ مَن ظنّ أنّ المحاسبة لا تبلغ أمثاله. يومها، يصبح الخوف من نصيب مَن سرق، بعدما طال مقامه في قلب مَن سُرق.
يومها فقط، تصبح نزاهة القاضي قاعدةً لا بطولة، ويأخذ المواطن حقّه من دون مِنّة، ويفهم السياسي أنّ المنصب أمانةٌ سيُسأل عنها، مهما أحاط نفسه بالحصانات. فالدولة تبدأ حين تنتهي قدرة النافذ على النجاة من القانون.



