استكمالًا لأعمال السينودس لطائفة الروم الملكيين الكاثوليك في روما، والذي أفضى إلى اللاشيء، وكما كنت متوقعًا وغالبية أبناء الطائفة أن يكون سينودس استجمامٍ وأخذ صورٍ مع قداسته وإرسالها إلى أبناء وبنات الأبرشيات، والظهور بمظهر المتحدين والعاملين الجديين لخير الطائفة.

ولمن تابع الصور الرسمية المنشورة، يلاحظ الفارق الصارخ والمضحك المبكي في آنٍ: أثناء أوقات الاجتماعات الرسمية، وجوهٌ متجهمةٌ، وحيرةٌ تأكل جباههم، وعبوسٌ مصطنعٌ يوحي بثقل المسؤولية.
وأما أمام عدسات التصوير مع قداسة البابا، فتنقلب الآية تمامًا: ابتساماتٌ واسعةٌ، وارتياحٌ شديدٌ، وفرحٌ غامرٌ كأنهم يعكسون وضع الطائفة المزدهر! وهذه هي قمة التقية الروحية المتحكمة في عروق الأغلبية منهم، يلبسون لكل مناسبةٍ وجهًا.

والحقيقة التي يعرفها القاصي والداني، أنه لم يستفد من هذا السينودس إلا أعضاؤه أنفسهم: سفرٌ درجةٌ أولى او بزنس كلاس أو زوجة سياحية، المهم حلقنا عاليًا إلى روما، ونزلنا أوتيل خمس او أربع نجومٍ والبعض في أديرة في قلب روما، بعد زيارة الشابل سكستين وأخذ الصور التذكارية، وزيارة البابا والبركة الرسولية للاستهلاك الإعلامي المحلي والفرح بتسجيل اسمائنا في السجل الروماني.

أما باقي جدول الأعمال غير المعلن، فكان الأكثر ازدحامًا: بعض الصلوات البروتوكولية والاجتماعات الجانبية الشكلية، ثم الانطلاق إلى البرنامج الحقيقي: الغالبية انطلقت إلى التبضع من أسواق إيطاليا وروما، تذكارات، أحذية إيطالية ، حقائبٌ من Gucci وهدايا من Zara الإيطالي، وزيوتٌ وعطوراتٌ، وبدلاتٌ جديدةٌ للظهور بمظهر الأساقفة المتألقين، وزيارة الأصحاب القدامى من أيام الدراسة في روما وباريس على موائد عشاءٍ فاخرةٍ، وتبادل الضحكات والذكريات.
والكثير منهم، وكما جرت العادة، سوف يعرجون قبل العودة إلى الأبرشيّة في استجمامٍ مستحقٍ – على حد تعبيرهم – إلى باريس أو مدريد أو ألمانيا أو أثينا أو أحد المنتجعات للترفيه عن النفس بعد “عناء السينودس”، والظهور أمام الطائفة أنهم اشتغلوا وتعبوا وسهروا الليالي، وهذا مبدأ التقية بعينه.
ومثل هؤلاء، كمثل الأب الذي يسافر في اجتماع عملٍ مهمٍ، فالعائلة بأجمعها تنتظر عودته بفارغ الصبر حتى تعرف ما حصل معه وما حمل من نتائج ومكتسباتٍ لأولاده. فماذا باستطاعة هؤلاء المطارنة أن يخبروا أبناءهم عند عودتهم؟ ماذا سيقولون للأبرشية التي تنتظر قرارًا واحدًا يخص مدارسها ومستشفياتها وشبابها المهاجر؟ هل سيحدثونهم عن مقاسات البذلات الجديدة، أم عن أسعار الحقائب في أسواق إيطاليا، أم عن جودة الطعام في مطاعم روما؟
كنا ننتظر بفارغ الصبر ثمارًا وافرةً من هذا السينودس التاريخي في روما، قراراتٍ جريئةً تخص وحدة الطائفة، وأوقافها، وإصلاح إدارتها، ووقف نزيف الهجرة. ولكن كما يقول المثل: تمخض الجبل فولد فأرًا، بل لم يلد حتى فأرًا، بينما الواقع هو رحلةٌ سياحيةٌ مدفوعةٌ من تعب وعرق أبناء الطائفة، ومن صندوق الابرشية تحت شعار “العمل السينودسي”.
ملاحظةٌ للتوضيح: إن ما كتبته ليس من باب التحليل والتنظير، بل هو انطباعٌ ومعلوماتٌ تكونت لدي بعد الاستماع مباشرةً لبعض المشاركين في السينودس أنفسهم.
بدارو في ١٢/٢٠/٢٠٢٦
صح؛ سألني احدهم، لماذا تكتب بهذه الجراءة؟
أكتب لأني ابنٌ لهذه الطائفة، ولست موظفًا عند أحد. أنا لا أنتقد الكنيسة، أنا أنتقد من حول الكنيسة إلى مقر خاص به. أنتقد لأني أحب، ومن لا يحب لا ينتقد، بل يصمت ويرحل كما رحل الآلاف. لو كنت أكره الطائفة لكنت أول المصفقين لهم، ولكنت قلت لهم يعطيكم العافية وتركتهم يرتاحون في فنادق روما وباريس.
لماذا أكتب؟ لأن الصمت خيانة: عندما أرى تعب أبناء الرعية وعرقهم يتحول إلى تذاكر سفر، فسكوتي يكون مشاركةً في الجريمة. ولأني سُئلت و سمعت: ما كتبته لم أخترعه، سمعته من أفواه مشاركين في السينودس أنفسهم، فهل تريدني أن أكذب ما سمعت وأصدق الصور المنمقة على الفيسبوك؟ ولأن العائلة لها حق: كما كتبت، الأب عندما يسافر، من حق أولاده أن يسألوه ماذا أحضرت لنا؟ ونحن كأبناء هذه الطائفة، من حقنا أن نسأل: ماذا أحضرتم لنا من روما غير الصور والبدلات الجديدة؟
حقًا، أنا لا أهاجم أشخاصًا، أنا أدافع عن كرامة طائفةٍ بأكملها تئن، بينما من يفترض أن يداووها مشغولون بالتبضع في أسواق أوروبا.
إذا كان هذا انتقادًا، فأنا فخورٌ به، وإذا كان قول الحقيقة يزعجهم، فالمشكلة ليست في من كتب، بل في من فعل.


