إلى من يظنّ أن حظر الصفحات قادرٌ على إسكات أصحاب المواقف، نقول: قد تستطيعون إغلاق نافذة للتعبير، لكنكم لن تستطيعوا مصادرة قناعة، أو إسكات ضمير، أو حجب حقيقة.
لقد رُفع الحظر عن صفحاتي على فيسبوك، لكن ما جرى يستحق التوقّف عنده، ليس باعتباره مسألة شخصية فحسب، بل لأنه يطرح سؤالًا يتجاوز تجربتي: هل يمكن أن تتحوّل القيود المفروضة على وسائل التواصل الاجتماعي إلى وسيلة لتضييق مساحة التعبير عن الرأي، وإقصاء الأصوات التي لا تتردّد في النقد والمساءلة؟
إن عودة صفحاتي لا تعني أن القضية انتهت، فحرية الكلمة لا تُقاس بقرار الحظر أو رفعه، ولا تُختصر بمساحة إلكترونية تُفتح أو تُغلق، بل هي حقّ أصيل ومسؤولية لا يجوز التفريط بها.
لم يوقف الحظر قلمي، ولن تنال الضغوط من صلابة مواقفي، ولن أساوم على حقي في قول الحقيقة، ومواجهة الفساد، وكشف التجاوزات والاعتداء على المال العام، مهما بلغت مواقع المتورّطين ونفوذهم.
لا أكتب بإذنٍ من أحد، ولا أستمدّ مواقفي من رضا أصحاب السلطة والنفوذ، ولا أبحث عن رضى هذا أو أخشى غضب ذاك. أكتب انطلاقًا من قناعاتي، وأواجه بالكلمة والحجّة، وأتمسّك بما أراه حقًا، مؤمنًا بأن الكلمة الحرّة مسؤولية لا تُساوَم، وأن المواقف المبدئية لا تتبدّل بتبدّل الظروف أو موازين القوى.
لن أستثني أحدًا من النقد والمساءلة، ولن أعترف بحصانةٍ تحجب الحقيقة أو تحمي الفساد، أيًّا تكن المواقع والمناصب. ولن تثنيني محاولات الترهيب أو الإسكات عن مواصلة رسالتي، فالمناصب لا تعلو بأصحابها فوق المحاسبة، والنفوذ لا يمنح صكوك البراءة، والحقيقة لا تُدفن بإغلاق صفحة أو حظر كلمة.
لقد رُفع الحظر عن صفحاتي على فيسبوك، لكن مواقفي لم تكن يومًا رهينة صفحة تُغلق أو تُفتح، ولا قرار يُتخذ أو يُلغى. فالمنصّات وسائل للتعبير وليست مصدرًا للقناعات، والكلمة الحرّة تستمدّ قوتها من صدقيتها، لا من المساحة الإلكترونية التي تُنشر عليها.
لستُ ممن يتراجعون تحت وطأة التهديد، أو يلوذون بالصمت أمام الضغوط، أو يساومون على مبادئهم مهما اشتدّت المحاولات. فالموقف الذي تصنعه القناعة لا تهزّه التهديدات، والكرامة التي تحكمها المبادئ لا تُخضعها المساومات.
سأواصل الكتابة دفاعًا عن قناعاتي، والمطالبة بالمحاسبة وكشف مكامن الخلل والفساد، مستندًا إلى الوقائع والأدلة، بعيدًا عن التجنّي وتصفية الحسابات. فلا أحد فوق المساءلة، ولا موقع يحجب الحقيقة، ولا اعتبار يعلو على حق الناس في المعرفة والمحاسبة، مهما علا شأن المعنيّ أو اتّسع نفوذه.
مواقفي ليست سلعة تُباع أو تُشترى، وكرامتي ليست موضع مساومة، وقلمي لم يعرف يومًا الانحناء أمام سلطة أو نفوذ، ولن ينحني إلا للحقيقة التي أؤمن بها وأتحمّل مسؤولية الدفاع عنها.
وإذا كان الحظر قد رُفع اليوم، فإن مواقفي لم تتغيّر بالأمس، ولن تتغيّر غدًا. لم أعتبر إغلاق صفحاتي نهاية الطريق، ولا أعتبر إعادة فتحها انتصارًا شخصيًا، بل تأكيدًا أن الكلمة المسؤولة تستحق أن تبقى حاضرة في النقاش العام، وأن الاختلاف في الرأي لا ينبغي أن يتحوّل إلى ذريعة للإقصاء أو الإسكات.
أما الذين راهنوا على إسكاتي، إن وُجدوا، فقد أخطأوا في قراءة موقفي؛ لأن القناعات لا تُقاس بعمر الحظر، ولا تُختبر بعدد المتابعين، بل بالثبات عليها حين تصبح كلفتها مرتفعة.
وسأبقى كما كنت، أكتب بحرية، وأنتقد بمسؤولية، وأطالب بالمحاسبة بالدليل والحجّة، مؤمنًا بأن احترام الحقيقة هو أول شروط الدفاع عنها، وأن الكلمة التي لا تخضع للترهيب لا تحتاج إلى ضجيج كي تثبت حضورها.
رسالتي واضحة، وموقفي لا لبس فيه: لا أطلب امتيازًا، ولا أبحث عن حصانة، ولا أطالب لنفسي بما لا أريده لسواي. أطالب فقط بحقي في التعبير، وبحق كل مواطن في أن يقول رأيه بحرية ومسؤولية، من دون خوف أو وصاية.
ومن راهن على إسكاتي، فقد خسر الرهان قبل أن يبدأ… لأن الصفحات قد تُحظر، أما الكلمة الحرّة فلا تُصادر، والكرامة لا تُساوَم، والحقيقة لا تحتاج إلى إذن كي تُقال.


