13 تشرين ذكرى مؤلمة في تاريخ لبنان ، وخصوصاً في تاريخ الجيش اللبناني .
في ذلك اليوم ، وجد الجيش نفسه في مواجهة الجيش السوري ، وبقي ضباطه وعسكريوه في مواقعهم يؤدّون واجبهم في ظروف قاسية . سقط منهم شهداء ، وأُسر آخرون ، وفُقد غيرهم ، وبقيت عائلات تنتظر معرفة مصير أبنائها .
ومن هنا تأتي مسؤولية القيادة التي اتخذت قراراتها في ذلك اليوم . فالعسكري الذي بقي في موقعه ودفع حياته ثمناً لقرار سياسي لم تُحسب نتائجه ، كان من حقه أن تكون حياته ومصيره في صلب تلك القرارات .
في تلك المرحلة ، كنت قائداً لموقع راشيا ، ودُعيت إلى اجتماع في أبلح خُصّص للتحضير للمشاركة في عملية 13 تشرين ، وطُلب مني تحضير سرية للاشتراك فيها . اعترضت على الطلب ، وأعلنت أمام الحاضرين موقفي بوضوح : أنا لا أقاتل الجيش اللبناني . وقد استاء الحاضرون من موقفي ، لكنني بقيت متمسكاً بقناعتي بأن الجيش اللبناني ليس عدواً أقاتله ، وأن الخلافات السياسية ، مهما اشتدّت ، لا تبرّر أن يوجّه العسكري سلاحه إلى جيشه .
لكن 13 تشرين ليست مناسبة لإعادة فتح الخلافات السياسية بقدر ما هي مناسبة للوقوف أمام تضحيات الجيش اللبناني .
هؤلاء العسكريون لم يكونوا أصحاب قرار سياسي ، بل كانوا جنوداً لبنانيين أدّوا واجبهم في مواجهة عسكرية على أرض لبنان ، ودفعوا ثمن ذلك من حياتهم وحريتهم . ولا يجوز أن تتحول الخلافات السياسية إلى سبب لتغييب تضحياتهم أو إهمال حقوقهم .
ومن حق الشهيد أن تبقى تضحياته حاضرة في ذاكرة الوطن ، ومن حق الأسير أن يُعرف مصيره ، ومن حق المفقود وعائلته أن تبقى الحقيقة مطلباً لا يسقط مع مرور الزمن ، مهما تعاقبت السنوات وتبدّلت الظروف .
لذلك ، يجب أن تبقى 13 تشرين في الذاكرة الوطنية ذكرى لتضحيات الجيش اللبناني ، لا أسيرة للخلافات والروايات السياسية التي أحاطت بتلك المرحلة .
إن شهداء الجيش وأسراه ومفقوديه جزء من تاريخ لبنان ، وحقهم في الإنصاف والحقيقة ليس موضع خلاف سياسي ، بل مسؤولية وطنية وأخلاقية تقع على عاتق الدولة .
رحم الله شهداء الجيش اللبناني في 13 تشرين ، وحفظ حق الأسرى والمفقودين وعائلاتهم في معرفة الحقيقة .
فالدولة التي لا تحفظ حق شهداء جيشها ، ولا تتابع مصير أسراه ومفقوديه ، لا تكون قد أدّت واجبها كاملاً تجاههم . فكرامة الجيش من كرامة الوطن ، وحقوق الذين دفعوا الثمن لا تسقط بمرور الزمن.


