يبدأ الكاتب الجديد غالبًا بفكرةٍ تُلحّ عليه، وبحاجة إلى أن يضعها أمام الرأي العام. يتردّد، ويُراجع، وقد يتعثّر في التعبير، ثم ينشر منتظرًا نقاشًا يوسّع رؤيته ويصقل تجربته. لكنّه قد يكتشف أن بعضهم يعترض على جرأته في الكلام قبل أن يناقش ما قاله؛ كأنّه مطالبٌ بالإجابة أولًا: مَن أعطاك الحقّ في أن يكون لك رأي؟
هنا يَنكشف ضِيق الصَّدر: هناك مَن يُرحِّب بالشباب ما داموا يُصغون ويُوافقون، ثم يَستثقل حضورهم حين يَجهرون برأيٍ مستقلّ. يُشجِّع طموحهم ما دام لا يُزاحم مكانته، ويدعوهم إلى التقدُّم شرط أن تبقى خطواتهم خلفه؛ فإذا اختاروا طريقهم، ضاق بهم بعدما اتَّسع لتَبَعيَّتهم.
وكم يحتاج صاحب القلم في بداياته إلى كلمةٍ مُنصِفة؛ إلى مَن يقرأه قبل أن يُصنِّفه، ويُنبِّهه إلى خطئه من دون أن يُهينه، ويختلف معه من دون أن يسعى إلى إقصائه أو إسكات صوته. فقد تفتح ملاحظةٌ صادقة أمامه طريقًا إلى النُّضج، فيما تترك محاولاتُ إلغائه في نفسه وجعًا يتجاوز الخلاف: أن يشعر بأن هناك مَن يريد منعه من الحضور، لا مُناقشة ما يقول.
لا يمنح الشَّبابُ أصحابَه صوابًا تلقائيًّا، كما لا تمنح السَّنواتُ أصحابَها عِصمة. قيمة الرأي في حُجَّته وصدقه ودقّته، وفي استعداد صاحبه لمراجعته. لذلك يستحقّ الجيل الجديد نقدًا جادًّا يُناقش ما يطرحه، بدل أحكامٍ تختصره بعمره أو تُقلِّل من شأنه لأن اسمه لم يشتهر بعد، أو لأنه لا يستند إلى موقعٍ يمنحه النفوذ.
ولأصحاب التجربة دورٌ ثمين في هذا اللقاء بين الأجيال؛ أن يُتيحوا للقادمين معرفةً استغرق اكتسابُها سنوات، وأن يُعينوهم على تجنُّب أخطاء يعرفون كُلفتها. ومن نُبل الكاتب المُخضرَم أن يفرح بقلمٍ ينضج أمامه، وأن يمنحه من خبرته ما يساعده على الاستقلال؛ فتلك شهادةٌ لأثره، حتى حين يختار صاحبُ القلم طريقًا مختلفًا عن طريقه.
أما تحويل الخبرة إلى سُلطةٍ تمنح حقّ الكلام وتَحجُبه، فيُفقِر النقاش ويُقصي أصواتًا قد تطرح أسئلةً يحتاج المجتمع إلى مواجهتها. فالجيل الذي يعيش تحوُّلات عصره، ويحمل قلقه وخيباته، يستحقّ أن يروي تجربته بلغته، وأن يبحث عن أجوبته، وأن يُسمَع حتى حين يُربِك ما يقوله قناعات الآخرين. فليس مطلوبًا منه أن يُكرِّر ما اعتادوا سماعه كي يعترفوا بحقّه في الكلام.
ليس على الجيل الجديد أن يعتذر عن طرح آرائه، ولا أن ينتظر إذنًا من أحد كي يقول بصوت عالٍ ما يؤمن به. ومن حقّه أن تُناقَش أفكاره وتُنتقَد، ومن مسؤوليته أن يُحاسَب على ما يقوله ويكتبه؛ أما حقّه في أن يكون له صوت، فلا يخضع لمزاج من سبقوه.
ومن تضيق به الساحة حين يدخلها كاتب من جيل جديد، فليتّسع صدره؛ فالمكانة تُصان بما يقدّمه صاحبها، لا بمنع الآخرين من الحضور. والأقلام لا تحتاج إلى غياب بعضها كي يولد بعضها الآخر، والكلمة ليست ميراثًا يُحتكَر، ولا بابًا يملك أحدٌ حقّ إغلاقه في وجه القادمين.


