ثمة لحظات في تاريخ الدول لا يعود فيها السؤال مَن أطلق النار أولًا؟ بل: كيف وصلنا إلى اليوم الذي بات فيه عدوّ لبنان يتحدّث وكأنه يملك حق تقرير شكل لبنان ومستقبله؟
قبل أيام، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو: «سنواصل ضرب حزب الله في لبنان، وسنخلق فرصة للسلام مع دولة تريد الغالبية الساحقة من شعبها السلام معنا».
ليس التصريح تفصيلًا عابرًا. فهو يكاد يختصر المأزق كله: إسرائيل تضرب حزب الله، ثم يقدّم نتنياهو هذه الضربات باعتبارها طريقًا إلى «فرصة للسلام» مع لبنان.
هنا تحديدًا تبدأ المشكلة اللبنانية.
مَن أعطى نتنياهو الحق في أن يرسم للبنان طريقه إلى السلام بالقنابل؟ ومَن أعطاه، قبل ذلك، الذريعة كي يتحدث وكأنه يتولى حلّ مشكلة لبنانية عجز اللبنانيون ودولتهم عن حلّها؟
لا يحتاج لبنان إلى نتنياهو كي يكتشف أن وجود سلاح وقرار حرب خارج مؤسسات الدولة مشكلة سيادية كبرى. ولا يحتاج إلى طائرة إسرائيلية كي تذكّره بأن الدولة التي لا تحتكر السلاح والقرار الاستراتيجي تبقى دولة منقوصة السيادة.
لكنه، في المقابل، لا يحتاج إلى إسرائيل كي «تحرره» من حزب الله.
فهنا أخطر معادلة يراد فرضها على اللبنانيين: إما القبول بسلاح خارج الدولة، وإما القبول بأن تتولى إسرائيل إزالته.
وعلى لبنان أن يرفض الاثنين معًا.
حزب الله أعطى الذريعة… فهل أصبحت الذريعة تفويضًا؟
الوقائع الدولية واضحة. تقرير للأمين العام للأمم المتحدة في 2026 اعتبر استمرار وجود السلاح خارج سلطة الدولة مخالفًا للقرارين 1559 و1701، وأشار إلى تعارض رفض حزب الله جهود الحكومة لبسط سلطتها مع قرار مجلس الوزراء في 5 آب 2025 القاضي بحصرية السلاح بيد الدولة، ومع تأكيد الحكومة أن قرار الحرب والسلم يعود إليها وحدها.
هذه ليست وجهة نظر إسرائيلية، بل قضية لبنانية في صميم معنى الدولة.
لكن التقرير نفسه يؤكد أن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي وعملياته داخل لبنان ينتهك السيادة ووحدة الأراضي اللبنانية ويعرقل جهود الدولة في بسط سلطتها وعودة السكان إلى منازلهم.
إذًا لا مجال للانتقائية:
السلاح خارج الدولة مشكلة سيادية، والاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية مشكلة سيادية أيضًا.
واحدة لا تبرر الأخرى.
عندما يصبح ضعف الدولة سلاحًا بيد خصومها
لسنوات طويلة، عاش لبنان مع معادلة غير طبيعية: دولة لها جيش، وحزب له قوة عسكرية؛ دولة لها حكومة، وتنظيم يمتلك قدرة مستقلة على اتخاذ قرارات عسكرية تتجاوزها.
وفي كل مرة تأجل فيها حل هذه المعضلة، كانت الفاتورة تكبر.
إلى أن وصل لبنان إلى يوم يستطيع فيه نتنياهو مخاطبة اللبنانيين، ولو بصورة غير مباشرة، بمنطق: أنا أضرب حزب الله، وبعده يصبح السلام ممكنًا….وهنا مكمن الخطر.
ليس لأن نتنياهو أصبح حريصًا على لبنان، بل لأن الفراغ الذي تركه عجز الدولة عن حسم سيادتها بات مادة يستخدمها خصوم لبنان لتبرير سياساتهم.
لكن الذريعة ليست حقًا، والمسؤولية عن الضربات الإسرائيلية تبقى على مَن يقررها وينفذها.
والصاروخ الإسرائيلي، في النهاية، لا يملك دفتر نفوس. حين تسقط القنابل، لا تُقصف «معادلة سياسية». تُهدم بيوت، وتُقتلع عائلات، وتُشلّ قرى، ويستشهد لبنانيون.
وبحسب آخر حصيلة تراكمية صادرة عن وزارة الصحة العامة، بلغ عدد الشهداء منذ 2 آذار وحتى 25 أيلول 2026، 4,386 شهيدًا، إضافة إلى 12,413 جريحًا. وفي موازاة هذه الخسائر البشرية الفادحة، نقلت وكالة رويترز في 7 تشرين الأول عن رئيس الحكومة نواف سلام أن الكلفة الإجمالية لإعادة الإعمار الناجمة عن الحربين منذ عام 2024 قد تتجاوز 27 مليار دولار.
هذه ليست «كلفة تحرير». إنها كلفة وطن يُدمَّر.
ومَن يدفع الحساب؟
في نهاية السلسلة يقف اللبناني. حين يُتخذ قرار المواجهة خارج الدولة، يدفع. وحين تضرب إسرائيل، يدفع. وحين تتدمر القرى ويتراجع الاقتصاد والاستثمار والسياحة، يدفع أيضًا.
ثم تجلس القوى الإقليمية والدولية إلى الطاولة، ويبقى اللبناني أمام الركام ينتظر معرفة ما تقرر بشأن بلده.
واليوم تضيف المعلومات المالية بعدًا آخر. فقد أفادت رويترز بأن حزب الله تلقى نحو 200 مليون دولار من إيران لمساعدة النازحين والمتضررين، فيما تبقى إعادة الإعمار الفعلية أمام فاتورة تقدر بعشرات المليارات.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا:
هل يبقى لبنان في دورة يُتخذ فيها قرار المواجهة خارج الدولة، ويأتي جزء من تمويل تداعياتها من الخارج، بينما يبقى الوطن كله مسؤولًا عن حمل الركام؟
لا نتنياهو مخلّصًا… ولا السلاح قدرًا
رفض سلاح حزب الله خارج الدولة لا يعني الترحيب بصاروخ إسرائيلي.
ورفض الاعتداءات الإسرائيلية لا يعني القبول بأن يبقى قرار الحرب والسلم خارج المؤسسات الدستورية.
هذه الثنائية خنقت لبنان طويلًا: إما أن تكون مع السلاح، وإما تُتهم بأنك مع إسرائيل؛ وإما أن ترفض إسرائيل، فيُطلب منك أن تسكت عما يجري داخل لبنان.
كلاهما مرفوض.
يمكن للبناني أن يقول ببساطة:
نريد نهاية أي سلاح خارج الدولة، ونريد خروج إسرائيل من كل شبر لبناني ووقف اعتداءاتها.
نريد جيشًا لبنانيًا واحدًا، ولا نريد الجيش الإسرائيلي بديلًا منه.
نريد قرار الحرب والسلم في بيروت، لا في الضاحية ولا في تل أبيب.
لبنان ليس وطنًا مؤجلًا
القرار 1701 لا يعطي إسرائيل تفويضًا مفتوحًا للعمل العسكري في لبنان. الإطار الدولي يقوم على وقف الأعمال العدائية، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وبسط سلطة الحكومة اللبنانية، وحصر السلاح والقوة المسلحة بالسلطات الشرعية.
وهذه يجب أن تكون الخريطة اللبنانية.
ليس لأن نتنياهو يريدها، ولا لأن واشنطن تطلبها، ولا لأن المجتمع الدولي يضغط من أجلها، بل لأن لبنان لا يستطيع أن يبقى وطنًا مؤجلًا.
دولة تنتظر حزبًا كي يقرر الحرب، وإسرائيل كي تقرر متى تنتهي، وإيران كي تموّل، والخارج كي يتفاوض، ليست دولة مكتملة السيادة.
المطلوب ليس الانتقال من وصاية سلاح إلى وصاية طائرة حربية.
المطلوب استعادة الدولة.
قد يستطيع نتنياهو تدمير مخزن سلاح، أو اغتيال قائد، أو احتلال تلة، أو تدمير قرية.
لكنه لا يستطيع بناء دولة لبنانية.
هذه مهمة اللبنانيين وحدهم.
وإذا كان حزب الله قد جعل من سلاحه وقراره العسكري واقعًا يتجاوز الدولة، فإن معالجة هذا الخلل لا تمنح إسرائيل تفويضًا لتغيير لبنان بالقوة.
فالخلاص من دولة داخل الدولة لا يكون بدولة عدوة تدخل إليها.
والسيادة لا تُستعاد بصاروخ إسرائيلي.
لذلك، ليس السؤال: هل ينجح نتنياهو في تخليص لبنان من حزب الله؟
السؤال الأخطر هو: كيف سمحنا أصلًا بأن يأتي يوم يستطيع فيه نتنياهو أن يطرح نفسه صاحب مشروع لـ«خلاص لبنان»؟
والجواب يبدأ من مكان واحد:
أن يستعيد لبنان قراره بنفسه، وسلاحه بنفسه، وحدوده بنفسه، ودولته بنفسه… قبل أن يقرر الآخرون، مرة أخرى، أي لبنان يريدون لنا.


