

يقول زوربا في إحدى أجمل عباراته: “الروح هي اللحم الذي تحقّق.”توقفت طويلًا أمام هذه الحكمة فوجدتها تختصر رحلة الإنسان كلها. فاللحم يولد مع الجميع، أما الروح فلا تولد كاملة بل تُصنع . تُصنع بالحب وبالألم، وبالتجارب وبالخيبات التي لم تحوّلنا إلى قساة، وبالنجاح الذي لم يجعلنا متكبرين. فليس كل من يمشي على الأرض حيًا، لأن الحياة ليست نبض قلب بل نبض ضمير.
وفيما بات الجميع في أيامنا يقيسون الإنسان بما يملك لا بما يمنح، وبما يظهر لا بما يضمر نسينا أن الجسد يشيخ كل يوم، بينما الروح تستطيع أن تصبح أكثر شبابًا كلما امتلأت حكمةً ورحمةً. وفي حياتي رأيت وجوهًا جميلة لم تترك أثرًا، ورأيت وجوهًا حفرتها السنون لكنها كانت تُشعّ سلامًا. لذلك لا تبحثوا عن الإنسان الذي يلفت الأنظار، بل عن الإنسان الذي يترك في قلوبكم طمأنينةً بعد أن يغادر. فالجمال يسرق النظرة أما الروح فتسكن الذاكرة.
ولعل أجمل ما في إيماننا المسيحي أنه لم يحتقر الجسد بل قدّسه حين يقول الإنجيل: “والكلمة صار جسدًا وحلّ بيننا” (يوحنا 1: 14). وكأن الرسالة تقول إن أعظم الأفكار لا قيمة لها إن لم تتحول إلى حياة وإن المحبة تبقى كلمةً فارغة ما لم تصبح يدًا تساعد، وقلبًا يسامح وكتفًا يحمل تعب الآخرين. عندها فقط يتحقق اللحم ويصير روحًا. أما الإنسان الحقيقي فليس من عاش طويلًا، بل من جعل كل يومٍ من حياته يضيف إلى روحه شيئًا يستحق أن يبقى بعد أن يغيب جسده


