إذا لم يتحوّل الوعد اللبناني إلى فعل، فقد لا تبقى المواجهة المقبلة مع واشنطن سياسية أو دبلوماسية فقط، بل قد تنتقل إلى ساحة أكثر حساسية وخطورة: وزارة الخزانة الأميركية.
المسألة تتجاوز لغة التحذير السياسي. فواشنطن باتت تربط موقفها من لبنان بخطوات عملية قابلة للقياس، في مقدّمها مكافحة شبكات تمويل حزب الله، وضبط حركة الأموال، ومنع استخدام النظام المالي والاقتصاد النقدي اللبناني للالتفاف على العقوبات الأميركية.
وفي 28 أيلول 2026، التقى وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت رئيس الحكومة نواف سلام ووزير المالية ياسين جابر في واشنطن، ودعا الحكومة اللبنانية إلى اتخاذ خطوات استباقية لتعطيل الشبكات المالية الإيرانية وتلك التابعة لحزب الله، بالتوازي مع إصلاح القطاع المالي واستعادة الثقة بالنظام المصرفي اللبناني.
وهنا تحديدًا تكتسب عبارة «تحويل الوعد إلى فعل» معناها. فالمطلوب أميركيًا، وفق المواقف الرسمية المعلنة، لم يعد مجرد إعلان النيات، بل إجراءات على الأرض ونتائج يمكن التحقق منها.
وسبق لـوزارة الخزانة الأميركية أن أظهرت استعدادها للانتقال من الضغط السياسي إلى الإجراءات المالية. ففي أيار 2026، فرض مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) عقوبات على تسعة أشخاص في لبنان، بينهم، وفق الخزانة، أفراد يعملون ضمن قطاعات برلمانية وعسكرية وأمنية، واتهمتهم بالعمل لمصلحة حزب الله وعرقلة جهود الحكومة اللبنانية لحصر السلاح بيد الدولة.
كما واصلت واشنطن ملاحقة شبكات قالت إنها مرتبطة بتمويل الحزب ونقل الأموال إليه، مستخدمة العقوبات لاستهداف أفراد وشركات ووسطاء ومسارات مالية داخل لبنان وخارجه.
وهذا هو الفارق بين الضغط السياسي وضغط الخزانة.
فالخلاف السياسي يمكن أن يبقى في دائرة التصريحات والاتصالات والمفاوضات، أما عندما يدخل OFAC على الخط، فإن التداعيات تصبح مالية مباشرة: تجميد أصول خاضعة للولاية الأميركية، حظر التعامل مع الجهات المدرجة، ورفع مستوى المخاطر أمام المؤسسات التي تتعامل معها.
وزير الخزانة سكوت بيسنت كرّر في بيانات رسمية أن الولايات المتحدة ستواصل استهداف شبكات حزب الله المالية ومن تعتبرهم مساهمين في تمكينها، والعمل على عزل هذه الشبكات عن النظام المالي الأميركي.
لكن حتى الآن، لا يوجد إعلان رسمي أميركي عن لائحة جديدة محددة من الشخصيات أو المؤسسات اللبنانية باتت جاهزة للعقوبات. لذلك، فإن الحديث عن أسماء أو عقوبات وشيكة يجب أن يبقى في إطار المعلومات غير الرسمية إلى أن يصدر ما يؤكده عن وزارة الخزانة الأميركية.
المؤكد أن هامش الانتظار يضيق، وأن واشنطن تضع الأفعال والنتائج في صلب مقاربتها للملف اللبناني.
ومن هنا يصبح السؤال:
هل ينجح لبنان في تحويل التزاماته إلى خطوات فعلية قبل أن تنتقل العلاقة مع واشنطن من طاولة السياسة… إلى مكتب العقوبات في وزارة الخزانة الأميركية؟


