لم تعد الأخبار الخارجة من سجن رومية تُقرأ كحوادث منفصلة. وفاة سجين، ثم آخر، إضراب عن الطعام والدواء، حالات صحية حرجة، ومعلومات عن إصابات بمرض السل… وبين رواية حقوقية تحذّر من وضع صحي بالغ الخطورة، ورواية أخرى تقلّل من حجم التفشي، يبقى السؤال الذي يحتاج إلى جواب رسمي واضح: ما حقيقة الوضع الصحي داخل أكبر سجون لبنان؟
التحقيق في هذا الملف لا يسمح بالقفز إلى استنتاج أن رومية يشهد «تفشيًا للسل»، لكنه في المقابل لا يسمح بالتعامل مع المعلومات المتداولة باعتبارها شائعة عابرة. فهناك إصابات تحدثت عنها جهات حقوقية ووسائل إعلام، وهناك اكتظاظ مزمن، ووفيات موثقة، وإضراب واسع يزيد المخاطر الصحية على سجناء يعاني بعضهم أصلًا أمراضًا مزمنة.
السل… الرقم موجود ولكن الروايات متناقضة
في أيلول 2026، نُشرت معلومات منسوبة إلى جهات حقوقية تتحدث عن تسجيل ما لا يقل عن عشر إصابات بالسل داخل سجن رومية، وتكرر الرقم نفسه في تغطيات إعلامية لاحقة. ونشرت وسائل إعلام في 22 أيلول معلومات تتحدث عن عشر إصابات على الأقل ونقل بعض المصابين إلى العزل.
لكن هنا تبدأ المشكلة.
ففي مقابل هذه الرواية، نُقلت معلومات مختلفة مفادها أن سجينًا دخل إلى مبنى المحكومين وهو يعاني ضيقًا في التنفس، وتبيّن بعد معاينته أنه مصاب بالسل، وأن إدارة السجن أخضعت نزلاء المبنى للفحوص اللازمة، من دون أن تظهر إصابات إضافية بينهم، بحسب تلك المصادر.
إذًا، نحن أمام روايتين لا يمكن التوفيق بينهما ببساطة: واحدة تتحدث عن عشر إصابات على الأقل، وأخرى تتحدث عن حالة جرى اكتشافها واتخاذ إجراءات حيالها من دون ثبوت انتقال العدوى إلى باقي نزلاء المبنى.
وحتى إعداد هذا التحقيق، لا يزال المطلوب بيانًا طبيًا رسميًا حديثًا يحسم هذا التضارب، ويعلن عدد الحالات المؤكدة حاليًا ونتائج الفحوص التي أُجريت.
وهنا تحديدًا تكمن المشكلة: عندما يتعلق الأمر بمرض معدٍ داخل مؤسسة شديدة الاكتظاظ، لا يكفي أن تتواجه المعلومات بالمعلومات. المطلوب أرقام طبية رسمية: كم فحصًا أُجري؟ كم إصابة ثبتت؟ أين وُضعت الحالات المصابة؟ وهل فُحص المخالطون؟
سبق أن دقّ جرس الإنذار… ثم جاء النفي الرسمي
واللافت أن الحديث عن السل في رومية ليس جديدًا.
في نهاية عام 2025 انتشرت أيضًا معلومات تربط وفيات داخل السجن بمرض السل. لكن قوى الأمن الداخلي أصدرت في 6 كانون الثاني 2026 بيانًا رسميًا نفت فيه انتشار أمراض معدية في رومية، وأوضحت أن وزارة الصحة أجرت فحوصًا وصورًا شعاعية للسجناء الذين ظهرت عليهم أعراض، وأن فحوص السل والكوليرا جاءت سلبية في الحالات التي تناولها البيان.
لكن هذا البيان يعود إلى كانون الثاني، ولذلك لا يصلح دليلًا لنفي الإصابات المتداولة في أيلول 2026. كما أن المعلومات الجديدة لا تصلح بدورها لإعادة توصيف وفيات سابقة على أنها ناجمة عن السل من دون إثبات طبي.
وهذه نقطة جوهرية في الملف: يجب الفصل بين مرحلتين زمنيتين مختلفتين وعدم خلطهما.
الموت يعيد فتح أبواب الملف الصحي
بعيدًا عن الجدل حول السل، هناك حقيقة أخرى لا تحتاج إلى افتراضات: سجناء يموتون.
في 30 أيلول، توفي بنيامين زعيتر في المبنى «د» في رومية. ووفق لجنة أهالي السجناء، كان يعاني من فشل كلوي ويحتاج إلى رعاية صحية واستشفائية خاصة. وبحسب اللجنة، رفعت وفاته عدد الوفيات المسجلة في السجون اللبنانية منذ إقرار قانون العفو العام في 12 آب إلى سبع حالات.
لكن التدقيق ضروري هنا أيضًا: الوفيات السبع ليست كلها في رومية، ولا يجوز ربطها جميعًا بالسل أو بالإضراب من دون تحديد طبي لسبب كل وفاة.
وهنا يبرز تطور جديد يزيد الملف خطورة.
ففي معلومات نُشرت في 2 تشرين الأول، قال متحدث باسم سجناء رومية إن خمسة من الوفيات السبع المسجلة منذ إقرار قانون العفو العام حصلت جراء الإضراب عن الطعام والشراب والأدوية. إلا أن هذه المعلومة تبقى منسوبة إلى المتحدث باسم السجناء، ولم تُنشر، حتى إعداد هذا التحقيق، تقارير طبية رسمية تفصيلية تثبت سبب كل وفاة على حدة.
وهذا التفريق أساسي: وجود وفيات حقيقة ثابتة، أما تحديد العلاقة السببية بين خمس منها والإضراب فيحتاج إلى توثيق طبي رسمي.
وفي رومية تحديدًا، أعادت الوفيات الأخيرة إلى الواجهة أسئلة حول سرعة نقل المرضى إلى المستشفيات وإمكانات الرعاية الطبية داخل السجن. أما الادعاءات بوجود تأخير أو تقصير، فمصدرها جهات حقوقية وأهالي سجناء، ولا يمكن اعتبار المسؤولية مثبتة من دون تحقيق رسمي أو طبي.
والأكثر إثارة للقلق أن سجناء في المبنى «د» كشفوا، بعد الوفاة الأخيرة، عن قائمة قالوا إنها تضم أكثر من ثلاثين نزيلًا يعانون أمراضًا أو مشكلات صحية تحتاج إلى علاج أو فحوص أو تدخلات جراحية. وهي قائمة صادرة عن السجناء وليست إحصاءً طبيًا رسميًا، لكنها تستحق التحقق المستقل.
الإضراب يتّسع… 532 نزيلاً و51 حالة حرجة
وهنا تغيّرت الأرقام بسرعة خلال أيام قليلة.
ففي 29 أيلول، وبعد 16 يومًا على بدء التحرك، كان أكثر من 400 نزيل في المبنى «ب» مستمرين في الإضراب عن الطعام والدواء، فيما وصل عدد الحالات الحرجة المعلن عنها آنذاك إلى 43.
لكن الحصيلة المنشورة في 2 تشرين الأول رفعت عدد المشاركين في الإضراب إلى 532 نزيلاً، وفق متحدث باسم السجناء: 470 في المبنى «ب» و42 في المبنى «د» في رومية، إضافة إلى 22 في سجن بعلبك. وقال المتحدث إن عدد الحالات الحرجة في المستشفيات بلغ 51 نزيلاً.
وهذه الأرقام، على خطورتها، تبقى منسوبة إلى النزلاء وليست حصيلة طبية رسمية منشورة.
لكن تسلسل الأرقام بحد ذاته لافت: 35 حالة حرجة في 25 أيلول، ثم 39 في 26 أيلول، و43 في 28 و29 أيلول، وصولًا إلى 51 حالة وفق أحدث حصيلة منشورة.
والمشكلة لا تتوقف عند الامتناع عن الطعام. فالمعلومات المنشورة تتحدث أيضًا عن الامتناع عن الأدوية، ما يضاعف الخطر بالنسبة إلى أصحاب الأمراض المزمنة، ولا سيما من يحتاجون إلى علاجات منتظمة.
وهكذا يصبح رومية أمام تراكم للمخاطر : مرضى مزمنون، إضراب متواصل، معلومات عن مرض معدٍ، واكتظاظ شديد.
الاكتظاظ… أصل الداء؟
وراء كل ذلك يقف ملف أقدم بكثير من أزمة الأسابيع الأخيرة: الاكتظاظ.
الأرقام الرسمية التي نشرتها وزارة الداخلية في مرحلة سابقة تكشف حجم الخلل. فالقدرة الاستيعابية المعلنة لسجن رومية تبلغ 1050 نزيلاً ، فيما وصل عدد الموجودين فيه، وفق الرقم الذي أعلنته الوزارة آنذاك، إلى 3592 نزيلاً، أي أكثر من ثلاثة أضعاف الطاقة الاستيعابية.
وهنا لا يحتاج الأمر إلى كثير من التحليل لفهم الصعوبة الصحية: كلما ازدادت كثافة الأشخاص في مكان مغلق، ازدادت صعوبة عزل الحالات المرضية ومراقبة المخالطين وتوفير المساحات والخدمات الصحية المناسبة.
لكن من المهم أيضًا القول إن الصورة ليست صورة غياب كامل للرعاية الطبية.
فقوى الأمن الداخلي أعلنت في 8 أيلول 2026 تنظيم يوم طبي في رومية بالتعاون مع جمعيات مختصة، ضمن برنامج قالت إنه يُنفذ شهريًا. وشملت الزيارة معاينةالنزلاء ومتابعة نزلاء سبق فحصهم والتأكد من التزامهم بالعلاج، إضافة إلى تفقد صيدلية السجن وكميات الأدوية المتوافرة فيها.
وجود هذه البرامج حقيقة ينبغي تسجيلها، لكنه لا يلغي السؤال عن مدى قدرتها على تلبية احتياجات آلاف النزلاء خصوصًا عندما تتزامن الأمراض المزمنة والحالات الطارئة مع اكتظاظ بهذا الحجم.
بين «الإهمال» والإمكانات… من المسؤول؟
من السهل اختزال الملف بكلمة واحدة: «إهمال».
لكن التحقيق المهني يحتاج إلى سؤال أكثر دقة.
هل المشكلة في عدم وجود الأطباء؟ أم نقص الأدوية؟ أم صعوبة نقل النزيل إلى المستشفى؟ أم الإجراءات الأمنية والإدارية اللازمة لإخراجه؟ أم نقص الأسرة الاستشفائية؟ أم أن المشكلة الأساسية تبدأ قبل ذلك كله، من اكتظاظ لا تستطيع أي عيادة داخلية التعامل مع تداعياته؟
هذه الأسئلة لا يمكن أن يجيب عنها النزلاء وحدهم، ولا الجمعيات وحدها، ولا إدارة السجن وحدها.
وإذا كانت اتهامات التأخر في الاستشفاء صحيحة في حالات محددة، فيجب تحديد المسؤولية عن كل حالة على حدة. وإذا كانت غير صحيحة، فمن حق الرأي العام أيضًا الاطلاع على الوقائع الطبية ومواعيد طلب الإسعاف والنقل، بما تسمح به السرية الطبية، بدل أن يبقى الملف رهينة روايات متعارضة.
والأسئلة التي تنتظر جوابًا رسميًا
بعد مقارنة المعلومات المتاحة، تبدو أمام الجهات المعنية أسئلة مباشرة لا تحتمل إجابات عامة:
كم إصابة بالسل مثبتة مخبريًا موجودة حاليًا في رومية؟ وهل الرقم المتداول عن عشر إصابات صحيح أم لا؟ كم سجينًا خضع للفحص؟ هل عُزل المصابون والمخالطون؟ وهل هناك حالات سل نشط أم أن بعض النتائج تتعلق بعدوى كامنة؟
ثم هناك أسئلة أكثر إلحاحًا بعد تطورات الإضراب:
هل تؤكد الجهات الطبية الرسمية وجود 51 حالة حرجة؟ وهل تثبت التقارير الطبية أن خمس وفيات مرتبطة مباشرة بالإضراب عن الطعام والشراب والأدوية؟ وما أسباب الوفيات السبع، حالةً بحالة؟ وكم مريضًا ينتظر حاليًا عملية جراحية أو نقلًا إلى المستشفى؟
الإجابة عن هذه الأسئلة لا تحتاج إلى سجال سياسي، بل إلى كشف صحي رسمي بالأرقام.
رومية ليس خبرًا عن «السل» فقط
ربما يكون أخطر ما في قضية رومية أن الجدل حول رقم الإصابات بالسل يمكن أن يحجب المشكلة الأكبر.
فحتى لو أثبتت الفحوص أن عدد الإصابات أقل بكثير مما يُتداول، تبقى أمام الدولة حقيقة وجود سجن يعاني اكتظاظًا مزمنًا، ونزلاء مصابين بأمراض خطرة، ووفيات متلاحقة في السجون اللبنانية، وإضراب اتسع، بحسب أحدث المعلومات المنشورة، إلى أكثر من 500 سجين.
وإذا ثبت، في المقابل، وجود عشر إصابات أو أكثر بالسل، تصبح الحاجة إلى الشفافية والفحص والعزل أكثر إلحاحًا.
المطلوب إذًا ليس تضخيم الخطر ولا طمسه، بل كشف الحقيقة.
رومية ليس جزيرة خارج الدولة، والسجين، مهما كان الجرم الذي أُدين به أو التهمة التي أوقف بسببها، يبقى تحت مسؤوليتها. والعقوبة التي يقررها القضاء هي سلب الحرية وفق القانون، لا ترك المرض يقرر مصير الإنسان.
وفي قضية تتداخل فيها العدالة بالصحة، وحق المجتمع بالأمن مع حق السجين بالعلاج، يبقى السؤال الذي ينبغي أن يصل إلى الوزارات والجهات المعنية واضحًا:
كم مريضًا يوجد اليوم خلف أسوار رومية… وما الذي تفعله الدولة قبل أن يتحول الرقم التالي إلى خبر وفاة جديد؟


