في المجتمعات السليمة، يصعد الإنسان إلى القيادة لأن لديه علماً وخبرةً ورؤيةً وقدرةً على تحمّل المسؤولية.
أما في المجتمعات التي تتعب من البحث عن الأفضل، فقد يحدث العكس تماماً: يُبحث عن الشخص الذي يمكن أن يخدم الموقع، لا الموقع الذي يستحقه الشخص.
وهنا تبدأ الحكاية.
يُقرَّب الصغير لأن الكبير قد يكون مزعجاً باستقلاليته، ويُقدَّم الجاهل لأن العالم قد يسأل كثيراً، ويُرفع التابع لأن المستقلّ قد يقول: «لا».
وما أجمل كلمة «لا» في زمنٍ صار فيه كثيرون يتقنون فنّ قول «نعم» قبل أن يعرفوا السؤال!
كيف يُصنع هذا الأمر داخل المجتمعات؟
الأمر لا يحدث عادةً بقرار واحد، بل عبر منظومة متكاملة، تبدأ صغيرة ثم تكبر حتى تصبح طبيعية في أعين الناس.
أولاً: إقصاء الكفاءة.
حين يشعر صاحب الخبرة أن كفاءته لن توصله، وأن العلاقات أهم من الإنجاز، يبدأ بالابتعاد أو بالصمت. وهكذا لا يخرج الأفضل بالضرورة، بل يبقى الأكثر قدرة على التكيّف مع اللعبة.
ثانياً: صناعة الولاء قبل صناعة النجاح.
يصبح السؤال: «مع من أنت؟» أهم من: «ماذا تستطيع أن تفعل؟».
فتُبنى شبكات من المحسوبيات والمصالح المتبادلة، ويصبح الولاء بطاقة عبور إلى مواقع كان يفترض أن تكون الكفاءة مفتاحها.
ثالثاً: تلميع الصورة.
يُصنع للشخص حضورٌ أكبر من إنجازاته، وتُكثر حوله الكلمات الكبيرة: قائد، visionary، رجل المرحلة، شخصية استثنائية…
وفي بعض الأحيان، إذا كررتَ اللقب بما يكفي، قد ينسى الناس أن يسألوا عن الإنجاز الذي يستحقه.
رابعاً: تحويل النقد إلى خيانة.
وهذه أخطر المراحل.
فبدلاً من أن يُسأل القائد عن النتائج، يُسأل المنتقد: «لماذا تنتقد؟ ومن وراءك؟».
وهكذا يصبح فشل المسؤول قضية وطنية، بينما يصبح السؤال عن فشله مؤامرة شخصية!
خامساً: تعويد المجتمع على الأمر الواقع.
في البداية يعترض الناس، ثم يتذمرون، ثم يصمتون، ثم يعتادون، ثم يدافع بعضهم عن الوضع نفسه الذي كانوا يشكون منه.
وهنا تكون اللعبة قد اكتملت.
وما المشكلة في إيصال هؤلاء إلى القيادة؟
المشكلة ليست في أن يكون الإنسان صغير السن، فكم من شاب سبق الكبار علماً وحكمةً وإنجازاً.
وليست المشكلة في أن يكون الشخص غير مشهور، فالتاريخ مليء بعظماء بدأوا من الصفوف الخلفية.
المشكلة هي أن يحلّ العمر محل الخبرة، والجهل محل المعرفة، والولاء محل الاستقلالية، والعلاقات محل الكفاءة.
عندما يصل الشخص غير المؤهل إلى موقع القيادة، لا يبقى الضرر محصوراً فيه.
فالقرار الذي يتخذه قد يؤثر في مؤسسة، والمؤسسة في مجتمع، والمجتمع في أجيال.
والأخطر أن القائد الضعيف غالباً لا يخاف من الأقوياء فقط، بل يحتاج إلى إضعاف من حوله حتى يبدو قوياً.
لذلك يبدأ بإبعاد أصحاب الرأي، وتهميش أصحاب الخبرة، وترقية المطيعين، حتى تتحول المؤسسة شيئاً فشيئاً إلى غرفة صدى:
يسأل القائد سؤالاً، فيأتيه الجواب الذي يحب سماعه.
وبعد فترة، لا يعود أحد يعرف الحقيقة… لأن الجميع صاروا يعرفون ما الذي يريد القائد أن يسمعه!
أما التابع حين يصبح قائداً…
فهذه مفارقة تستحق التأمل.
التابع الذي اعتاد أن ينتظر التعليمات قد يجد نفسه فجأة مسؤولاً عن إصدارها.
وهنا تظهر المأساة الكوميدية:
من كان ينتظر أن يُقال له ماذا يفعل، أصبح يشرح للآخرين كيف يفعلون!
وقد تكون هذه أجمل نكتة سياسية وإدارية في تاريخ البشرية:
أن يصبح الشخص الذي لم يمتلك يوماً قراراً في حياته مسؤولاً عن اتخاذ قرارات الآخرين.
لكن المشكلة لا تنتهي هنا.
فالقيادة تحتاج إلى شخصية تستطيع أن تقول «لا» عندما يكون «نعم» خطأً، وأن تقول «لا أعرف» عندما لا تعرف، وأن تستمع إلى من هو أكثر علماً منها.
أما التابع، إذا لم يتحرر من ثقافة التبعية، فقد يحمل معه إلى موقع القيادة حاجته القديمة إلى إرضاء من أوصله.
وهكذا يصبح ولاؤه للأعلى أهم من مسؤوليته تجاه الأسفل.
والنتيجة؟
حين توضع الكفاءة في الصف الثاني، يبدأ الانحدار بهدوء.
تتراجع المؤسسات.
يهاجر أصحاب الكفاءة.
يفقد الناس ثقتهم بالنظام.
يصبح النجاح مرتبطاً بالعلاقات لا بالإنجاز.
ويتعلم الجيل الجديد درساً خطيراً:
لا تتعب نفسك كثيراً في العلم والعمل… ابحث فقط عمّن تعرفه!
وعندما تصل هذه الفكرة إلى عقول الشباب، تكون الخسارة قد أصبحت أعمق من فشل مسؤول أو مؤسسة؛ لأنها تتحول إلى ثقافة اجتماعية.
وهنا تقع الكارثة الحقيقية:
أن يصبح الإنسان الكفوء استثناءً، والفاشل قاعدة، ثم نتساءل باستغراب:
«لماذا لا يتقدم مجتمعنا؟»
لكن في الحكاية جانباً مضحكاً…
أحياناً تستطيع أن تعرف مستوى المؤسسة من سؤال بسيط:
هل يستطيع الموظف أن يقول لرئيسه: «أنت مخطئ»؟
إذا كانت الإجابة نعم، فهناك أمل.
أما إذا كان الجميع يبتسمون عندما يتحدث الرئيس، ويهزون رؤوسهم بالموافقة، ويصفقون قبل انتهاء الجملة…
فلا تقلق.
المؤسسة بخير جداً… فقط الحقيقة هي التي تحتاج إلى إسعاف!
وفي بعض المجتمعات، لا يحتاج الإنسان إلى أن يثبت أنه عبقري كي يصبح قائداً؛ يكفي أن يثبت أنه لا يسبب إزعاجاً لمن هم فوقه.
وهذه ليست ترقية.
هذه مكافأة على حسن الطاعة.
الحكمة الأخيرة
المجتمعات لا تسقط فقط عندما يحكمها السيئون، بل تسقط أيضاً عندما يتوقف الجيدون عن المنافسة، ويعتاد الناس على اختيار الأقل كفاءة، ويصبح السؤال «لمن ينتمي؟» أهم من «ماذا يستطيع أن يقدم؟».
فالقيادة ليست مكافأة شخصية، ولا جائزة ولاء، ولا وسيلة لردّ الجميل.
القيادة أمانة، ومن يضع الشخص الخطأ في المكان الصحيح، يرتكب خطأً أخطر من وضع الشخص الصحيح في المكان الخطأ.
لأن الشخص الصحيح يستطيع أن يتعلم من المكان.
أما الشخص الخطأ، فقد يقضي سنوات وهو يجعل المكان كله يتعلم من أخطائه!
وفي النهاية، أسوأ ما يمكن أن يحدث لمجتمع ليس أن يحكمه شخص ضعيف… بل أن يقتنع المجتمع بأن الضعف هو الشكل الطبيعي للقيادة.
وعندها، يصبح التصفيق أعلى من الإنجاز، والولاء أعلى من الكفاءة، والصورة أهم من الحقيقة.
ويفرح الجميع… لأن الكارثة، ببساطة، أصبحت نظاماً!


