استغربت رئيسة الهيئة اللبنانية للعقارات المحامية أنديرا الزهيري من الإصرار في طرح اقتراح مشاريع لتعديل قانون الإيجارات في هذه المرحلة، بعدما أصبح قانون الإيجارات الجديد للأماكن غير السكنية في مراحله الأخيرة من التطبيق، وبعد التوصل في العديد من الحالات إلى اتفاقيات بين المالكين والمستأجرين، وصدور أحكام قضائية مبرمة، وتسليم عدد من الوحدات المؤجرة إلى أصحابها، سواء كانوا من المالكين الأصليين أو من ورثتهم، وذلك بعد سنوات طويلة من الانتظار والنزاعات والإجراءات القضائية.
وسألت الزهيري: ما الجدوى من إعادة فتح ملف قانوني شائك استغرق سنوات طويلة من النقاش والتشريع والتطبيق، وبدأت آثاره القانونية والقضائية بالاستقرار، من أجل نسبة محدودة من الحالات التي لم تعد، وفق المعطيات المتداولة، تتجاوز نحو 10% من أصل 64 الف وحدة قديمة ما زالت خاضعة للإيجار القديم؟ وهل يجوز، في دولة القانون، أن تعاد صياغة قواعد قانونية مستقرة والمس بالامان التشريعي كلما اقترب موعد الانتخابات، بما يؤدي عملياً إلى تحميل المالكين القدامى أعباء جديدة بعدما انتظروا سنوات طويلة للحصول على حقوقهم؟
وأكدت أن المالك القديم لم يكن طوال هذه العقود في موقع الطرف المستفيد، بل كان في كثير من الأحيان الطرف الذي تحمّل تبعات تشريعات استثنائية ومدد متعاقبة قيّدت حقه في الانتفاع بملكه والتصرف فيه، وأجبرته على الانتظار وتحمل أعباء مالية وقضائية كبيرة، فضلاً عن تكاليف التسويات والدعاوى والمحاكم والخبراء والإجراءات المرتبطة باستعادة حقوقه.
وأضافت أن المالكين القدامى التزموا، طوال السنوات الماضية، بالقوانين المرعية الإجراء، رغم ما ترتب عليها من قيود على حق الملكية، وانتظروا انتهاء المهل التي حددها المشرّع، في وقت كان يفترض أن تكون القاعدة القانونية واضحة ومستقرة وغير قابلة لإعادة التمديد بصورة متكررة على حساب أصحاب الحقوق.
وتابعت الزهيري أن قانون الإيجارات للأماكن السكنية الصادر عام 2014 والمعدل عام 2017 وضع إطاراً زمنياً واضحاً لانتهاء عقود الإيجار القديم، ومنح المستأجرين القدامى مهلاً طويلة وكافية لتسوية أوضاعهم، كما أُعطيت فئات محددة، ولا سيما المستفيدين من حساب الدعم، مهلاً إضافية وفق الآليات التي نص عليها القانون، وصولاً إلى المهل الممتدة حتى عام 2029 بحسب الحالات التي حددها القانون.
ومن هنا، ترى الزهيري أن منح مهل جديدة بصورة استثنائية، أو إعادة فتح المهل لمن لم يلتزم بتطبيق القانون أو لمن اتخذ من آليات الدعم وسيلة لإطالة النزاع مع المالك، يؤدي في النتيجة إلى تحميل المالك مرة جديدة تبعات عدم تنفيذ القانون، فيما يبقى حقه في ملكيته وفي استثمارها أو التصرف بها معلقاً.
وقالت: «لا يجوز أن تتحول النصوص القانونية التي وضعت لتنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر إلى وسيلة دائمة لتعليق حق الملكية، ولا يجوز أن يصبح عدم تطبيق القانون سبباً لإعادة تمديده على حساب من التزم به وانتظر سنوات طويلة».
فصل الإيجارات غير السكنية عن السكنية
وفي ما يتعلق بالإيجارات غير السكنية، أشارت الزهيري إلى أن المشرّع اختار مساراً تشريعياً منفصلاً عن الإيجارات السكنية، وصولاً إلى صدور قانون خاص بالأماكن غير السكنية عام 2025، مع إدخال تعديلات وشروط إضافية كان من شأن بعضها تعزيز الحماية الممنوحة للمستأجرين تراوحت المهل من 5 سنوات الى 8 سنوات واكثر انهم استفادوا من مهل ومدد ا اكثر من 14 سنة منذ صدور قانون اماكن السكنية كما كانوا قد استفادوا من اكثر من 25 تمديد للقوانين الاستثنائية من اكثر من 75 سنة.
واعتبرت أن هذا المسار يطرح إشكالية قانونية تستوجب التوقف عندها، خصوصاً أن عقود الإيجار، سواء كانت سكنية أم غير سكنية، ترتبط في أساسها بمبادئ عامة في قانون الموجبات والعقود، وبمبدأ حرية التعاقد وشريعة المتعاقدين، مع مراعاة القيود التي يفرضها القانون لحماية المصلحة العامة والحقوق المشروعة للأطراف.
وأكدت أن المطلوب ليس الدخول في مواجهة بين المالك والمستأجر، بل إعادة التوازن إلى العلاقة الإيجارية بما يحفظ حقوق الطرفين، ويمنع أن يتحول الاستثناء التشريعي إلى قاعدة دائمة، أو أن يصبح المالك الحلقة الأضعف في معادلة يفترض أن تكون قائمة على التوازن والعدالة.
لماذا لا تتجه الدولة إلى معالجة أصل المشكلة؟
وتساءلت الزهيري: لماذا يستمر تحميل المالك القديم مسؤولية معالجة أزمات السكن والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، بدلاً من معالجة الدولة لأصل المشكلة؟
فإذا كانت المشكلة تكمن في قدرة المواطن على تأمين السكن، فالحل لا يكون دائماً بتمديد الإيجار القديم على حساب المالك، وإنما من خلال تطوير الإيجار التملكي، وتحسين شروط القروض السكنية، وتوفير آليات تمويل مناسبة، ودعم الفئات غير القادرة على التملك، ووضع سياسات إسكانية مستدامة.
أما بالنسبة إلى المؤسسات والمحلات التجارية والأماكن غير السكنية، فإن المطلوب، بحسب الزهيري، هو دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والقطاعات التجارية والإنتاجية، وتوفير بيئة اقتصادية تسمح لها بالاستمرار، خصوصاً أن لبنان مر خلال السنوات الماضية بأزمات متلاحقة، من الأزمة الاقتصادية والمعيشية، إلى المظاهرات والاعتكافات وتعطيل المؤسسات والإدارات العامة، مروراً بجائحة كورونا، وصولاً إلى الحروب والأضرار الواسعة التي لحقت بالاقتصاد والممتلكات.
وقالت إن المعالجة الاقتصادية لا يمكن أن تقوم على حساب حق الملكية الخاصة، كما أن حماية المستأجر لا ينبغي أن تعني إلغاء حقوق المالك.
دعم المالك القديم جزء من حماية التراث والاقتصاد
وشددت الزهيري على ضرورة أن تلتفت الدولة أيضاً إلى المالكين القدامى الذين ورثوا أبنية وممتلكات أصبحت في كثير من الحالات بحاجة إلى ترميم وتأهيل، ولا سيما الأبنية المصنفة تراثية أو ذات القيمة المعمارية والتاريخية.
ورأت أن دعم هؤلاء المالكين من خلال الإعفاءات أو التسهيلات الضريبية والرسوم، وتقديم الحوافز للترميم، وتسهيل الاستفادة الاقتصادية المشروعة من الأبنية التراثية، يمكن أن يشكل جزءاً من سياسة وطنية لحماية التراث وتحريك الدورة الاقتصادية في آن واحد.
وأضافت أن من غير المنطقي أن تطالب الدولة المالك بالحفاظ على البناء، وترميمه، ودفع الضرائب والرسوم، وتحمل المسؤوليات القانونية، فيما يُحرم في الوقت نفسه من الاستفادة الفعلية من ملكيته أو من استثمارها بصورة مشروعة.
التشريع يجب أن ينطلق من الدستور
وتوجهت الزهيري إلى النواب قائلة إن التشريع مسؤولية دستورية ووطنية، وإن أي تعديل للقوانين المتعلقة بالملكية والإيجارات يجب أن ينطلق أولاً من الدستور ومبدأ حماية الملكية الخاصة والمساواة أمام القانون، ومن تحقيق التوازن بين الحقوق والموجبات، لا من اعتبارات ظرفية أو حسابات انتخابية.
وقالت: «نتوجه إلى كل نائب يعتبر نفسه مشرّعاً لقوانين عادلة بأن ينطلق من الدستور ومن دولة القانون، لا من غايات انتخابية أو من البحث عن أصوات من هنا وهناك. فالمالك القديم الذي صبر على مدى عقود، وتحمل المشقات، وانتظر تطبيق القوانين، ودفع من ماله في الدعاوى والتسويات والرسوم والضرائب، ليس مسؤولاً عن أزمات الدولة ولا يجوز أن يتحول حقه إلى ورقة تفاوض سياسية».
وختمت الزهيري بالتأكيد أن العدالة التشريعية لا تعني حماية طرف على حساب طرف آخر، بل تعني حماية الحقوق المشروعة لجميع المواطنين، وأن احترام القانون يقتضي أيضاً احترام من التزم به وانتظر سنوات طويلة حتى يصل إلى حقه.
وأضافت: «حقوق المالك القديم ليست بازاراً سياسياً أو انتخابياً، والملكية الخاصة ليست امتيازاً قابلاً للتعليق كلما تبدلت الظروف. إذا أرادت السلطة التشريعية معالجة أزمة السكن أو دعم الاقتصاد أو حماية المستأجرين، فلتضع سياسات عامة وتمويلاً عاماً وحلولاً مستدامة، لا أن تجعل المالك القديم وحده يدفع ثمن الأزمات المتراكمة».


