لم تُخلق حرية التعبير لتكون رخصةً للإهانة، ولا قيمة للكلمة إذا تحوّلت إلى أداة للطعن في الكرامات. لكن في كثير من نقاشاتنا، باتت الشتيمة تُقدَّم بوصفها جرأة، والتخوين وطنية، والصراخ انتصارًا.
يكفي أن تُبدي رأيًا مخالفًا حتى يبدأ البعض بمحاكمة نواياك وانتمائك، بدل مناقشة فكرتك. يُستبدل السؤال باتهام، والدليل بتصنيف، ويتحوّل النقاش إلى محاولة لإسكات صاحبه. وهكذا، يصبح الاختلاف خصومةً شخصية، وتضيق المساحة التي يمكن أن نلتقي فيها رغم خلافاتنا.
في لبنان، تظهر هذه الأزمة بوضوح حين يتسلّل الانقسام السياسي إلى لغة التخاطب… فلا تقف الإساءة عند موقف أو تصريح، بل تمتدّ إلى العائلة والطائفة والمنطقة. وعندها، نغادر نقد الأفكار إلى تجريح الناس، ونخسر فرصة الفهم قبل أن يبدأ الحوار.
ولا تقف المسؤولية عند مستخدمي المنصات. فحين يمنح منبر إعلامي الصراخ مساحةً أكبر من المعرفة، ويكافئ الضيف على استفزازه بدل عمق أفكاره، فإنه يساهم في تحويل الإهانة إلى مشهد مألوف، وربما إلى مادة للتسلية.
من يملك حجّةً لا يحتاج إلى شتيمة، ومن يعجز عن الردّ لا يصبح محقًّا برفع صوته. فالإهانة لا تدحض رأيًا، والتخوين لا يثبت حقيقة، وكثرة المتابعين لا تمنح صاحبها صوابًا تلقائيًا.
ومع ذلك، لا يجوز أن تتحوّل الدعوة إلى احترام الكلمة إلى ذريعة لإسكات النقد. من حقّ الناس مساءلة المسؤولين، وكشف الأخطاء، والاعتراض بحدّة. المطلوب أن نواجه الفعل بالدليل، والموقف بالحجّة، وأن نحافظ على حقّ الاختلاف من دون تحويله إلى اعتداء على الكرامة.
ليست المشكلة أنّنا نختلف، بل أنّنا ننسى كيف نختلف. فالمجتمع الذي يعاقب كل رأي مخالف يدفع أصحابه إلى الصمت، ويترك الساحة لمن يجيدون الضجيج.
مَن قتل الكلمة؟ كلّ من استبدل الحجّة بالشتيمة، وكلّ من صفّق له. أمّا إنقاذها، فيبدأ حين نعيد للفكرة قيمتها، وللإنسان كرامته، وللحوار مكانه.


