هل يتحضّر تشرين ليومٍ ثانٍ؟
في 17 تشرين ، بدأت الحكاية بسببٍ قد يبدو اليوم تافهاً أمام حجم الأزمات التي يعيشها اللبناني .
شرارة صغيرة أشعلت غضباً كان قد تراكم طويلاً ، فتحوّل تفصيل عابر إلى حراك وطني واسع .
أما اليوم ، فالأسباب أكبر بكثير وكثير .
لبناني يستلم راتبه فلا يعرف كيف يوزّعه على مصاريف الشهر . آخر يحسب كلفة البنزين قبل أن يقرر أين يذهب . عائلة تؤجل حاجاتها ، ومتقاعد ينتظر حقه ، ومودع ما زال يسأل عن أمواله . وموظف يعمل أكثر ليحصل على قدرة شرائية أقل .
هذه ليست عناوين في نشرات الأخبار . هذه تفاصيل من يوميات اللبنانيين .
وفوق ذلك ، أزمات تتراكم ، وقطاعات تتحرك كلٌّ على حدة ، فيما المواطن يشعر أن صبره يُستنزف من أزمة إلى أخرى .
إذا كان سببٌ صغير قد أخرج الناس إلى الشارع في 17 تشرين ، فماذا يمكن أن يفعل تراكم كل هذه الأسباب اليوم؟
هنا تكمن المفارقة .
فالشرارة لا تحتاج إلى أن تكون كبيرة عندما يكون الاحتقان كبيراً . والشارع لا يحتاج دائماً إلى من يدعوه . أحياناً يكفي أن يشعر الناس أن الأبواب أُغلقت أمامهم ، وأن الكلام لم يعد يغيّر شيئاً .
لذلك ، هذه ليست دعوة إلى الشارع ، بل نصيحة إلى الحكومة : تحرّكوا قبل أن يتحرك الشارع .
اسمعوا الناس قبل أن تصرخوا في وجههم ، وافتحوا الملفات قبل أن تُفتح في الساحات .
عالجوا ما يمكن معالجته ، وقدّموا حلولاً ملموسة ، لأن الدولة القوية هي التي تمنع تراكم الغضب ، لا التي تنتظر انفجاره .
ربما لم يمت 17 تشرين… لعلّه تقمّص .
والحكومة التي تريد تجنّب تكراره لا تحتاج إلى انتظار الشرارة لتعرف ما عليها أن تفعل .
اجبروها قبل أن تنكسروا .


