مرة جديدة، يُرفع سقف المواجهة، يُعلَن الإضراب، ويُطلب من العمال والسائقين الاستعداد للتحرك… ثم، عشية الموعد، يأتي القرار : تعليق الإضراب.
لكن هذه المرة، السؤال أكثر إلحاحًا : ماذا تحقق فعلًا حتى يُعلَّق التحرك؟
لجنة المؤشر أقرت احتساب بدل النقل على أساس خمسة ليترات من البنزين يوميًا، فيما كانت رابطة موظفي الإدارة العامة تطالب بما يعادل عشرة ليترات، وهي لم تعتبر ما تحقق كافيًا وأبقت على إضرابها. كما صدرت اعتراضات نقابية على النتيجة، في مقابل قرار الاتحاد العمالي العام واتحادات النقل البري تعليق تحرك الأربعاء.
خمسة ليترات!
بعد سنوات من انهيار الأجور والقدرة الشرائية، وبعدما أصبح الموظف يحسب كلفة وصوله إلى عمله قبل أن يحسب ماذا سيأكل أولاده، يُراد تقديم خمسة ليترات وكأنها إنجاز اجتماعي يستحق أن تُطوى على أساسه راية الإضراب.
المشكلة ليست في الليترات وحدها. المشكلة في الإذلال الذي تحوّل إلى واقع يومي.
العامل اللبناني لا يطالب بصدقة بنزين، والموظف لا يريد «مساعدة» تسمح له فقط بالوصول إلى مكتبه. هؤلاء يريدون أجرًا له قيمة، وضمانًا اجتماعيًا، وقدرة على دفع ثمن الكهرباء والدواء والمدرسة والطعام والسكن.
أي مستوى من الانهيار وصلنا إليه عندما يصبح الإنجاز النقابي أن يستطيع العامل أن يصل إلى مكان عمله؟
قبل أيام، كان الكلام عالي السقف. رئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر قال إن الأمور وصلت إلى «حد لا يطاق»، فيما أعلن بسام طليس أن الإضراب سيحصل في 30 أيلول، وأنه «مهما تكثفت الاتصالات وتزايدت الضغوطات لن نتراجع عن موقفنا». واليوم عُلّق الإضراب.
إذًا، من حق الناس أن تسأل:
ماذا تغيّر بين «لن نتراجع» وقرار التراجع؟
وإذا كانت المطالب قد تحققت، فلتُنشر أمام العمال بندًا بندًا: ماذا طُلب؟ ماذا تحقق؟ ماذا لم يتحقق؟ ولماذا اعتُبر ما تحقق كافيًا لتعليق الإضراب؟
الدليل على أن الملف لم يُقفل أن رابطة موظفي الإدارة العامة واصلت تحركها، وأن أصواتًا نقابية اعترضت على تسوية الخمسة ليترات.
وهنا تصبح القضية أكبر من بدل نقل. إنها قضية ثقة ومحاسبة.
الاتحاد العمالي ليس وزارة إضافية في الحكومة، ولا هيئة لامتصاص غضب الشارع. وظيفته أن يمثل العامل في مواجهة السلطة دفاعًا عن حقوقه، لا أن يطلب منه القبول بما تمنحه السلطة.
وفي بلد تتداخل فيه السياسة بالنقابات والإدارة، يصبح السؤال عن استقلالية القرار النقابي مشروعًا، خصوصًا عندما تكون الملفات المالية في قلب التفاوض.
وزير المال ياسين جابر شخصية سياسية ارتبطت تاريخيًا بحركة أمل التي يرأسها نبيه بري. هذه الحقيقة السياسية، بحد ذاتها، لا تثبت أن قرار تعليق الإضراب اتُّخذ بتوجيه سياسي، لكنها تجعل السؤال مشروعًا: هل اتُّخذ القرار حصراً بناءً على ما تحقق للعمال، أم دخلت الحسابات والعلاقات السياسية على خط التسوية؟
لا نريد اتهامات بلا دليل. نريد الحساب.
قولوا للعامل الذي خسر معظم قيمة أجره لماذا عليه أن يعتبر خمسة ليترات إنجازًا.
قولوا للموظف الذي بات راتبه بالكاد يكفيه لماذا بقي تصحيح الأجور الحقيقي مؤجلًا.
وقولوا لمن استعد للإضراب لماذا اكتشف عشية التحرك أن القرار اتُّخذ عنه.
الأخطر من الفقر هو تطبيع الفقر. والأخطر من انهيار الراتب هو إقناع صاحبه بأن بضعة ليترات من البنزين انتصار.
ومن هنا، المطلوب ليس تغيير رقم من خمسة إلى عشرة ليترات فقط. المطلوب إعادة الاعتبار إلى العمل النقابي نفسه، وفتح باب المحاسبة داخل المؤسسات التي تتحدث باسم العمال.
من فاوض؟ ماذا طلب؟ ماذا قَبِل؟ ولماذا قَبِل؟
ومن حق العمال أن يسألوا أيضًا:
هل ما زالت هذه القيادات تمثلنا فعلًا؟
إذا كانت تمثلهم، فلتثبت ذلك بالشفافية والاستقلالية والنتائج. وإذا كانت عاجزة عن انتزاع حياة كريمة لهم، فمن حق القواعد العمالية أن تطالب بتجديد قياداتها واختيار من يستطيع حمل قضيتها.
فالكرامة لا تُقاس بالليتر ، والعامل ليس متسوّلًا أمام باب الدولة . ومن يعيش الذل كل يوم كي يصل إلى عمله، لا يحتاج إلى مَن يشرح له أن خمسة ليترات انتصار؛ يحتاج إلى نقابة تقف معه حتى يستعيد أجره وحقه وكرامته.


