حين يصبح وصول الموظف إلى عمله معادلة يومية بين البنزين والراتب ولقمة العيش
ليس المطلوب مهاجمة وزير العمل محمد حيدر شخصيًا، ولا إنكار أن رفع بدل النقل أفضل من إبقائه على حاله. لكن المطلوب أن نسأل، باسم الموظف الذي يستيقظ كل صباح ليحسب كلفة وصوله إلى عمله قبل أن يحسب ماذا سيأكل أولاده : هل خمسة ليترات من البنزين يوميًا تشكّل فعلًا بدل نقل عادلًا في لبنان اليوم؟
أعلن وزير العمل محمد حيدر،يوم أمس الاثنين 28 أيلول/سبتمبر 2026، بعد اجتماع لجنة المؤشر، التوصل إلى اتفاق على آلية جديدة لبدل النقل تقوم على احتساب ما يعادل كلفة خمسة ليترات من البنزين عن كل يوم عمل، وفق متوسط سعر البنزين خلال الشهر، على ألا يقل البدل اليومي عن 500 ألف ليرة ولا يتجاوز 800 ألف ليرة. والأهم أن الاتفاق لم يصبح نافذًا بعد، إذ يحتاج إلى مرسوم يصدر عن مجلس الوزراء بعد استكمال الإجراءات القانونية.
بحسب آخر جدول متاح لأسعار المحروقات، الصادر في 25 أيلول/سبتمبر ، بلغ سعر صفيحة البنزين 95 أوكتان، أي 20 ليترًا، 2,845,000 ليرة لبنانية. وهذا يعني أن خمسة ليترات تساوي نظريًا نحو 711 ألف ليرة لبنانية، وهو قريب من الرقم المتداول اليوم والبالغ نحو 720 ألف ليرة لبنانية.
لكن المشكلة ليست في الآلة الحاسبة.
المشكلة في حياة الناس.
فهل الموظفون جميعًا يسكنون على مسافة واحدة من أعمالهم؟ وهل من يأتي يوميًا من طرابلس أو البقاع أو الجنوب إلى بيروت يشبه من يسكن على بُعد بضعة كيلومترات من مكتبه؟ وهل السيارة في زحمة السير اللبنانية تستهلك وفق حسابات الورق ؟ وماذا عن الموظف الذي لا يملك سيارة أصلًا، ويضطر إلى استخدام أكثر من وسيلة نقل للوصول إلى عمله؟
التقارير المنشورة اليوم تشير أصلًا إلى أن كلفة المواصلات لبعض العاملين قد تصل إلى 18 مليون ليرة لبنانية شهريًا، وأن بدل النقل الرسمي السابق البالغ 450 ألف ليرة لبنانية عن يوم الحضور لم يعد يغطي الكلفة الفعلية، ما دفع موظفين إلى اقتطاع جزء من رواتبهم لمجرد الوصول إلى وظائفهم.
وهنا تصبح المسألة إنسانية قبل أن تكون رقمًا في لجنة المؤشر.
الموظف لا يذهب إلى عمله للتنزّه. لا يملأ خزان سيارته ترفًا. ولا يقف في زحمة السير ساعة أو ساعتين يوميًا لأنه اختار ذلك. هو يذهب ليعمل، وليعود آخر النهار بما يستطيع أن يؤمّن به حاجات أسرته.
فهل يُعقل أن يدفع الإنسان من راتبه كي يتمكن أصلًا من الوصول إلى المكان الذي يتقاضى منه هذا الراتب؟
وإذا كان المطلوب ربط بدل النقل بسعر البنزين، فلماذا يوضع له سقف أعلى يبلغ 800 ألف ليرة لبنانية مهما ارتفعت الكلفة؟ هذه نقطة تستحق إعادة النظر، لأن بدل النقل، في جوهره، ليس زيادة ترفيهية على الأجر، بل تعويض عن كلفة يتحملها العامل بسبب حضوره إلى العمل.
ثم إن خمسة ليترات لا تجيب عن سؤال المسافة. هي كمية واحدة لموظفين يعيشون ظروفًا مختلفة جذريًا.
كان الأجدى، إلى جانب تحديد حد أدنى يحمي الموظف، البحث في صيغة أكثر واقعية تأخذ في الاعتبار المسافة الفعلية، وكلفة النقل العام، وتغيّر أسعار المحروقات، ومكان السكن والعمل، بدل اختصار كل هذا الواقع المعقد برقم واحد.
وللإنصاف، الاتفاق الذي أُعلن اليوم جاء نتيجة تفاهم داخل لجنة المؤشر بين وزارة العمل والاتحاد العمالي العام والهيئات الاقتصادية، وليس قرارًا منفردًا اتخذه الوزير وحده؛ كما قال رئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر إن الاتفاق «جيد». لكن الاتفاق الاجتماعي لا يمنع مساءلة مضمونه، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بقدرة آلاف العائلات على الصمود.
الموظف اللبناني لم يعد يحتمل حلولًا تحسب معاناته بالليتر.
إنه يدفع إيجارًا، وكهرباء ومولدًا، وتعليمًا وطبابة وغذاءً واتصالات، ثم يُطلب منه كل صباح أن يدفع أيضًا ثمن الطريق إلى عمله.
خمسة ليترات قد تكون خطوة إلى الأمام مقارنة بما كان قائمًا، لكنها ليست بالضرورة جوابًا عادلًا عن أزمة النقل.
فالسؤال الذي يجب أن يصل إلى طاولة لجنة المؤشر ليس فقط: كم ليترًا نعطي الموظف؟
بل السؤال الأكثر إنصافًا:
كم يجب أن يدفع الموظف من جيبه حتى يصل إلى عمله؟
والجواب الإنساني والمنطقي يجب أن يكون: لا شيء.
لأن الوصول إلى العمل لا يجوز أن يتحول إلى عبء يأكل الأجر قبل أن يبدأ يوم العمل.


