أن يطالعنا نائب معين في مجلس الشعب السوري مطالباً بضرب التلامذة والأطفال في المدارس بحجة التربية والتعليم ، ثم يجاهر بهذا الطرح بكل ثقة ، فالمسألة تتجاوز مجرد رأي تربوي قابل للنقاش .
ولم يتوقف الأمر هنا ، فحين يصف وزير الأوقاف وزارته بلغة لا تليق بمقام الدولة ، يصبح من الصعب ألا نتساءل عن مستوى الخطاب الذي يُفترض أن يمثل مؤسساتها .
المفارقة أن هذا الكلام يصدر في سوريا ، البلاد التي أنجبت كبار الأدباء والشعراء والمفكرين والعلماء ، وتركت إرثاً ثقافياً وفكرياً غنياً في العالم العربي .
فهل هذه هي الصورة التي يُراد لسوريا الجديدة أن تقدمها عن نفسها؟
التربية لا تقوم على الضرب ، والتعليم لا يحتاج إلى العنف كي ينجح . الطفل يحتاج إلى من يعلّمه ويهذّبه ويصحح أخطاءه ، لا إلى من يعتقد أن الألم وسيلة لصناعة الإنسان .
ثم تأتي الدعوة إلى إعادة العصا إلى المدرسة ، هذه العصا التي يفترض أن تكون قد خرجت من قاموس التربية ، لا أن تعود إلى الصفوف بعد أن ارتبطت طويلاً بممارسات القمع والتعذيب .
سوريا لا تحتاج إلى استعادة العصا ، بل إلى مدرسة تربي على العلم والكرامة واحترام الإنسان .
وبين سوريا التي أنجبت كبار الأدباء والمفكرين والعلماء ، وسوريا التي يُطرح فيها ضرب الأطفال وسيلةً للتعليم ، تظهر مفارقة مؤلمة بين إرث ثقافي وعلمي غني ، وبين خطاب يخشى أن يعيد البلاد إلى الوراء .
ولكي تكتمل الصورة ، ربما من الأفضل ألا تُبث جلسات مجلس الشعب على الهواء مباشرة ، حتى لا يرى الناس ما قد تكشفه من مواقف لا تليق بمؤسسة يفترض أن تمثل الشعب .
ومع تتابع هذه المشاهد ، يبقى السؤال : هل نحن أمام أخطاء متفرقة ، أم أمام مسار يحتاج إلى مراجعة جدية حتى لا تُدفع سوريا نحو التخلف بدل بناء دولة حديثة؟
العهد الجديد لا يُقاس بالشعارات ، بل بما يفعله بالأطفال ، وبما يزرعه في عقول الجيل الذي سيبني سوريا الغد .


