من الصراع الأميركي–الصيني إلى سؤال الإنسان: إلى أين؟
الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد ثورة تكنولوجية أخرى تضاف إلى سجل الثورات التي شهدها الإنسان. نحن أمام ظاهرة أعمق: تقنية بدأت تدخل في إنتاج المعرفة ذاتها، وفي الاقتصاد، والدفاع، والطاقة، والطب، والتعليم، والإعلام، والعلوم، وحتى في الطريقة التي يتخذ بها الإنسان قراراته.
ولذلك لم يعد السؤال: ماذا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يفعله؟
بل أصبح: من سيملك القدرة على تحديد ما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يفعله، ولأي هدف، ولصالح من؟
وهنا تبدأ القصة الحقيقية.
بين واشنطن وبكين: سباق على شيء يتجاوز التكنولوجيا
الولايات المتحدة والصين لا تتنافسان اليوم فقط على امتلاك أفضل نموذج للذكاء الاصطناعي. بل الصراع أوسع بكثير: من يمتلك الحوسبة، والرقائق، ومراكز البيانات، والطاقة، والبيانات، والباحثين، والمنصات، والأسواق، والمعايير التي ستحدد مستقبل هذه التكنولوجيا؟
المؤشرات الاقتصادية والتكنولوجية تشير إلى أن مركز الثقل العالمي للذكاء الاصطناعي أصبح مركّزًا بشكل كبير في الولايات المتحدة والصين. وتفيد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بأن الغالبية العظمى من النماذج المتقدمة والاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تتركز في هذين البلدين، مع مخاطر متزايدة من تركّز الحوسبة والرقائق والبيانات والمهارات في عدد محدود من الشركات والدول.
وفي الولايات المتحدة، لم تعد المنافسة بين الشركات مجرد تنافس على تطبيقات جذابة للمستخدم. بل أصبحت سباقًا على البنية التحتية للذكاء نفسه.
فمثلًا، أعلنت OpenAI أن مشروع Stargate تجاوز هدفها الأولي البالغ 10 غيغاواط من بنية الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة، ووصفت الشركة الحوسبة بأنها المدخل الأساسي لتدريب نماذج أكثر قوة وخفض تكلفتها وتوسيع استخدامها.
وفي الوقت نفسه، أعلنت شركة Anthropic عن توسع ضخم في قدرتها الحاسوبية بالتعاون مع Google وBroadcom، مع خطط لإضافة عدة غيغاواطات من قدرة الحوسبة ابتداءً من عام 2027.
وذلك يكشف عن شيء مهم:
المستقبل لن تحدده الخوارزمية وحدها؛ بل ستحدده أيضًا الكهرباء التي تشغّلها، والرقائق التي تنفذها، ومراكز البيانات التي تحتضنها.
أوروبا… بين الخوف من التأخر والخوف من الانفلات
أما أوروبا فتعيش معضلة مختلفة.
لقد اختارت أن تكون من أوائل من يضعون إطارًا قانونيًا شاملًا للذكاء الاصطناعي عبر AI Act، الذي يقوم على تصنيف الأنظمة بحسب مستوى المخاطر وفرض متطلبات تتعلق بالشفافية والرقابة البشرية والأمن والدقة والبيانات.
لكن أوروبا أدركت أيضًا أن الإفراط في التنظيم قد يؤدي إلى نتيجة عكسية: أن تصبح القارة مجرد مستهلك للتكنولوجيا التي يصنعها الآخرون.
ولهذا قامت في عام 2026 بإدخال تعديلات تهدف إلى تبسيط بعض المتطلبات وتمديد مواعيد تطبيق بعض قواعد الأنظمة عالية المخاطر، مع الحفاظ على الضمانات الأساسية.
وهنا تظهر المفارقة الأوروبية:
كيف يمكن حماية الإنسان من التكنولوجيا دون أن تحرم نفسها منها؟
ليست هذه مشكلة قانونية فحسب. إنها مشكلة حضارية.
لكن هل يجب علينا إبطاء الذكاء الاصطناعي؟
ربما السؤال نفسه يحتاج إلى إعادة صياغة.
من الصعب تصور اتفاق عالمي يقول: لنطوّر الذكاء الاصطناعي ببطء.
لأن من يبطئ قد يعتقد أن منافسه لن يبطئ.
وهنا تظهر معضلة تشبه سباقات التسلح في التاريخ:
إذا اعتقدت كل قوة أن الأخرى ستستمر في التطوير، فإن التوقف من طرف واحد يصبح مكلفًا استراتيجيًا.
وهذا ما يجعل اجتماع الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ في 24 سبتمبر 2026 مهمًا. فقد سبق الاجتماع محادثات أميركية–صينية حول إنشاء آلية للحوار في مجال الذكاء الاصطناعي، بما فيها اقتراح أميركي لنظام إخطار بشأن الحوادث المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التي قد تصل إلى مستوى الأمن القومي.
لكن المعطى الأكثر دلالة هو أن التعاون لا يجري في فراغ.
إنه يحدث وسط منافسة استراتيجية حادة وانعدام ثقة متبادل.
وهذا يعني أن أي تفاهم أميركي–صيني محتمل حول الذكاء الاصطناعي قد لا يكون اتفاقًا على إيقاف السباق، بل ربما محاولة لمنع السباق من التحول إلى كارثة.
هل يمكن أن يصبح الذكاء الاصطناعي سلاحًا؟
نعم، وهذه واحدة من أخطر المسائل.
ليس المقصود فقط الروبوتات العسكرية أو الطائرات الذاتية.
الخطر أوسع:
هجمات إلكترونية أكثر استقلالية.
تضليل إعلامي واسع النطاق.
أنظمة قادرة على اكتشاف نقاط الضعف في البنى التحتية.
استخدام الذكاء الاصطناعي في تطوير أسلحة جديدة.
أتمتة عمليات التجسس والمراقبة.
تسريع الأبحاث البيولوجية والكيميائية ذات الاستخدام المزدوج.
استخدام وكلاء ذكاء اصطناعي قادرين على تنفيذ سلسلة طويلة من المهام من دون تدخل بشري مستمر.
ولهذا فإن المشكلة الكبرى ليست أن الآلة “تفكر مثل الإنسان”، بل أن الآلة قد تصبح قادرة على تنفيذ أعمال معقدة بسرعة تفوق قدرة الإنسان على مراقبتها.
وهنا ينتقل النقاش من أخلاقيات التكنولوجيا إلى أمن الحضارة.
وماذا تريد الشركات الكبرى؟
من المهم هنا ألا نقع في نظرية المؤامرة.
لا توجد حاجة إلى افتراض “أهداف سرية” حتى نفهم القوة التي تدفع الشركات إلى الأمام.
الأهداف المعلنة واضحة: بناء أنظمة أكثر قدرة، جعل الذكاء الاصطناعي متاحًا على نطاق واسع، زيادة الإنتاجية، اكتشاف أدوية، تطوير البرمجيات، دعم العلوم، وتحقيق ما تسميه بعض الشركات عصر الذكاء.
لكن هناك أيضًا حوافز اقتصادية واستراتيجية طبيعية:
كلما أصبح نموذج الشركة أكثر قدرة، زادت قيمته التجارية.
كلما زاد المستخدمون، زادت البيانات والتغذية الراجعة والإيرادات.
كلما زادت الإيرادات، أمكن شراء المزيد من الحوسبة.
وكلما زادت الحوسبة، أمكن بناء نماذج أفضل.
وهكذا تتشكل دائرة:
حوسبة ← نموذج أقوى ← مستخدمون أكثر ← إيرادات أكبر ← حوسبة أكثر ← نموذج أقوى.
وهذا ليس “هدفًا سريًا”، بل منطق اقتصادي واضح تعترف به الشركات نفسها. OpenAI تصف هذه العلاقة صراحة باعتبارها حلقة متبادلة بين الحوسبة، وتحسين النماذج، وزيادة الاستخدام والإيرادات وإعادة الاستثمار في البنية التحتية.
لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح الشركة هي في الوقت نفسه صانع التكنولوجيا، ومشغّل البنية التحتية، ومالك المنصة، ومصدر البيانات، والمؤثر في التشريعات.
وهنا يصبح سؤال الاحتكار أكثر أهمية من سؤال المنافسة بين النماذج.
وتحذر OECD بالفعل من أن السيطرة المتكاملة على الرقائق والحوسبة السحابية والبيانات والنماذج والمنصات يمكن أن تؤدي إلى تركّز طويل الأمد للقوة في عدد محدود من الشركات.
ومن يملك الذكاء… قد يملك الاقتصاد
ربما هذه هي النقطة التي لا تحظى بما يكفي من النقاش.
الثورات الصناعية السابقة أعطت الأفضلية لمن امتلك الفحم، ثم النفط، ثم المصانع، ثم شبكات الاتصالات.
أما الثورة الحالية فتمنح الأفضلية لمن يمتلك:
الحوسبة + البيانات + الرقائق + الطاقة + المواهب + النماذج + التوزيع.
ولهذا فإن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يصبح أداة هائلة لتوسيع الفجوة بين الدول.
الدول المتقدمة تستطيع استخدامه لزيادة الإنتاجية، تحسين التعليم، تسريع الأبحاث، إدارة الطاقة، تطوير الصناعات، وتحسين الخدمات.
أما الدول الضعيفة فقد تجد نفسها في وضع أكثر تعقيدًا:
تستهلك التكنولوجيا التي ينتجها الآخرون، وتدفع ثمنها، وتقدم بياناتها، وتعتمد على منصاتها، وتستورد المعرفة التي كانت في الماضي تنتجها محليًا.
وهنا الخطر الحقيقي على العالم المتأخر تكنولوجيًا.
ليس فقط أن يتأخر عن العالم المتقدم، بل أن يتحول إلى تابع معرفي جديد.


