
القضاء هو ملاذ المواطن الأخير، والحصن الذي يلجأ إليه عندما تُقفل في وجهه كل الأبواب. وحين يشعر بأن القرار القضائي قد يتأثر بالسياسة أو النفوذ أو الضغوط، لا تهتز ثقته بالقضاء وحده، بل تهتز معها ثقته بالدولة ومؤسساتها وقدرتها على حماية حقوقه.
القاضي لا تكتمل رسالته إلا باستقلال قراره؛ فلا سلطان على قناعته القضائية سوى القانون، ولا مرجعية لحكمه سوى الحق والعدالة. ومن هنا، لا يكون استقلال القاضي امتيازًا شخصيًا، بل ضمانةً للمتقاضي، وصونًا لهيبة القضاء، وحمايةً لكرامة الدولة وحقوق مواطنيها.
لسنا أمام خصومة بين القضاء والسياسة، ولا ينبغي أن نكون. فالسياسة تدير شؤون الدولة، أمّا القضاء فيحرس ميزانها، والخطر يبدأ حين تتجاوز الأولى حدودها وتحاول أن تمسك بكفّة الثانية. عندها لا يعود الخلل في حكمٍ أو ملفّ بعينه، بل يصيب فكرة العدالة نفسها، لأن القضاء الذي يُدار من خارج قوس المحكمة يفقد جوهر وجوده، مهما بقيت النصوص والشعارات تتحدّث عن استقلاله.
استقلال القضاء ليس شأنًا يخصّ القضاة وحدهم، بل حقّ للمواطن قبل أن يكون ضمانةً للقاضي. فالدولة التي لا يستطيع فيها الإنسان أن يقف أمام العدالة مطمئنًا إلى أن حقّه لا يتغيّر بتغيّر الأسماء والمواقع، تبقى دولةً منقوصة مهما اكتملت مؤسساتها.
لذلك، لا يحتاج القضاء إلى خطابات تحميه، بقدر ما يحتاج إلى أيدٍ تُرفع عنه.
فالسياسة لها ساحاتها، وللسلطة حدودها، أمّا قوس المحكمة فيجب أن يبقى المكان الذي تسقط عند عتبته الحسابات، ولا يبقى في الداخل سوى القضية والحق.
فالسلطات تتبدّل، والمواقع تزول، وأصحاب النفوذ يعبرون… وحدها العدالة يجب ألّا تعبر. لأنها حين تبقى، تبقى الدولة؛ وحين تُمسّ، لا يخسر القاضي وحده… بل يخسر الوطن ميزانه.


