

وُلد مار شربل في الكنيسة المارونية وترهّب في ربوعها وصلّى بلغتها وحمل إيمانها حتى القداسة؛ لكنّه حين بلغ قمّة المحبة خرج من حدود الطائفة من دون أن يغادرها وأصبح ابنًا لكل إنسان متألّم. فالقديس لا يتخلّى عن جذوره، بل يجعل منها أغصانًا تظلّل الجميع. لذلك لم يعد السؤال: إلى أي طائفة ينتمي مار شربل؟ بل: أيُّ قلبٍ موجوع لم يجد مكانًا عنده؟
أمام ضريحه لا تُطلب بطاقة هوية، ولا يُسأل الزائر عن مذهبه أو وطنه. يأتي إليه المسيحي والمسلم، المؤمن والمتردّد ، وكلّ زائر يحمل وجعه ورجاءه . هناك تسقط الألقاب والحواجز ويقف المؤمن أمام إنسانٍ قديسِ عاش لله حتى صار حضوره بلسمًا للبشر. لم يؤسّس مار شربل حزبًا ولم يرفع شعارًا ولم ينافس أحدًا على زعامة . وحين اختار الصمت سمعه العالم ، وحين اختار العزلة، وصل إلى الملايين.
مار شربل مارونيّ الهوية، لبنانيّ الأرض، لكنّه إنسانيّ الرسالة. وهذه ليست محاولة لانتزاعه من كنيسته، بل شهادة لعظمة الكنيسة التي قدّمته للعالم. فالقداسة الحقيقية لا تحاصرها الجغرافيا، ولا تحتكرها الطوائف، ولا تمنع بركتها عمّن يختلف عنها. الله لا يصنع القديسين ليزيد عدد أبناء جماعة، بل ليزيد مقدار النور في حياة البشر.
وفي الأخير أصدقائي ، وفيما يتقاتل الناس على أسماء الله، يذكّرنا مار شربل بأن الطريق إليه تمرّ بالمحبة والتواضع وخدمة المتألّمين. وبقي هو مساحةً للقاء لا للانقسام، وجسرًا لا متراسًا. لذلك أقولها بمحبة واعتزاز: مار شربل من الكنيسة المارونية، نعم، لكنّه لم يعد ملك طائفة وحدها؛ إنّه من الطائفة البشرية، طائفة كل قلبٍ يطلب الرحمة، وكل روحٍ تبحث عن الله.


