في تسجيل قديم لزياد الرحباني ، يروي أنه في سبعينيات القرن الماضي كان متحمساً للانضمام إلى حزب الكتائب ، وصارح والده عاصي بذلك .
لم يأخذ والده الأمر على محمل الجد في البداية ، لكن زياد أصرّ ، فجاءه جواب والده :
الكتائب موارنة… ونحن روم .
قد تبدو الجملة تختصر جانباً واسعاً من لبنان .
فزياد لم ينضم إلى حزب الكتائب ، وانتهى به الأمر خلال الحرب إلى بيروت الغربية ، كما كانت تُسمّى آنذاك ، حيث انخرط في الأوساط اليسارية ومارس نشاطاً سياسياً وفنياً في بيئة مختلفة تماماً عن البيئة التي نشأ فيها .
الطائفة لم تستطع أن تحدد طريقه السياسي ، رغم أنها كادت تفعل ذلك في البداية .
لكن الحكاية لا تتعلق بزياد وحده .
نحن بلد لا يُسأل فيه الإنسان ماذا يفكر؟ بل من أي طائفة أنت؟
ثم يتحول الانتماء إلى مفتاح لفهم الموقف السياسي ، وكأن الإنسان يولد ومعه خريطة سياسية جاهزة .
والمشكلة أن هذه العقلية لم تبقَ في المجتمع ، بل دخلت إلى الدولة .
فاتفاق الطائف الذي أنهى الحرب ووضع تصوراً لإعادة بناء الدولة ، أبقى الطائفية السياسية في بنية النظام ، مع النص على العمل تدريجياً نحو إلغائها . لكن ما كان يفترض أن يكون مرحلة انتقالية طال حتى أصبح طريقة إدارة الدولة .
وهكذا بقيت الطائفية حاضرة في السياسة والتعيينات وتوزيع المواقع والنفوذ ، حتى في تفاصيل الإدارة ، بينما يفترض أن تكون الكفاءة والقانون هما الأساس .
نريد دولة ، لكننا نتعامل معها بمنطق الحصص .
نتحدث عن الكفاءة ، وقبلها نسأل عن المذهب .
نطالب بقضاء مستقل ، بينما تبقى المرجعيات السياسية والدينية حاضرة في تفاصيل حياتنا العامة .
ونريد جيشاً وطنياً ، فيما يحاول البعض النظر إلى مؤسساته من خلال الانتماءات الطائفية .
المشكلة ليست في الدين ، ولا في أن يكون الإنسان مارونياً أو رومياً أو كاثوليكياً ، أو سنياً أو شيعياً أو درزياً، أو من أي طائفة أو مذهب آخر من طوائف لبنان ومذاهبه .
المشكلة تبدأ عندما تتحول الطائفة من انتماء ديني أو اجتماعي إلى هوية سياسية وحق في الدولة .
عندها لا يعود المواطن يرى الآخر مواطناً مثله ، بل ممثلاً لطائفة أخرى .
والخروج من هذه الدائرة لا يعني إلغاء الطوائف أو مطالبة الناس بالتخلي عن إديانهم ، بل فصل الإيمان عن إدارة الدولة .
الدين في ضمير الإنسان ، والدولة في يد القانون .
القضاء مستقل ، لا تابع لمرجعية سياسية أو دينية .
والجيش طائفته لبنان .
والوظيفة العامة للكفاءة ، لا للهوية المذهبية .
والدولة ترى اللبناني مواطناً قبل أن تراه منتمياً إلى أي طائفة أو مذهب .
وربما لهذا تبقى جملة عاصي الرحباني ، كما رواها زياد ، أكبر من مجرد حكاية عائلية من زمن الحرب
جملة قيلت لمنع شاب من الانضمام إلى حزب ، لكنها تكشف كيف استطاعت الطائفية أن تتسلل حتى إلى خيارات الإنسان السياسية .
وبعد كل هذه السنوات ، متى يصبح لبنان وطناً لا يحتاج فيه الإنسان إلى أن يعرّف نفسه بمذهبه كي يُعرف؟
ربما عندها فقط نكون قد انتقلنا من بلد الطوائف إلى دولة المواطنين .


