
لم تعد الجريمة في لبنان خبرًا عابرًا يمرّ في نشرة اخبار ، ولا حادثةً تُطوى أوراقها بانتهاء يومها. الوجوه تتبدّل، والأماكن تتغيّر، لكن المشهد واحد: خوفٌ يتّسع، وضحايا يسقطون، ومجرمون يختبرون هيبة الدولة، فيما تتكرّر ردود الفعل كأنها نصّ محفوظ: استنكار، بيان، وعدٌ بالملاحقة… ثم صمتٌ لا يقطعه إلا خبر الجريمة التالية.
إلى متى يبقى المواطن وحيدًا في مواجهة الخوف، فيما أولى واجبات الدولة أن تحميه ، فالمشكلة لم تعد في جريمة تقع هنا وأخرى هناك، بل في غياب المعالجة الجدية للأسباب التي تفتح الطريق أمام الجريمة وتسمح بتكرارها.
وهنا على الحكومة أن تتحمّل مسؤوليتها مباشرة، وأن تنزل إلى الميدان بدل الاكتفاء بقوانين تبقى، من دون مراسيم تطبيقية وآليات تنفيذ، حبرًا على ورق….والأمثلة كثيرة.
فالأمن لا تصنعه النصوص وحدها، ولا تحميه الوعود. والأخطر من وقوع الجريمة أن يتحوّل الإفلات من العقاب إلى رسالة طمأنة للمجرم ورسالة خوف للمواطن. فعندما تتأخّر المحاسبة، أو تضيع المسؤوليات بين الإدارات والأجهزة، لا تبقى المشكلة في جريمة ارتُكبت، بل في مناخٍ يسمح بتكرارها.
- وهنا يكمن الامتحان الحقيقي للدولة:
- أن تجعل من العدالة يقينًا لا احتمالًا،
- ومن المحاسبة قاعدةً لا استثناءً،
- وأن يشعر المواطن بأن وراءه دولةً تحمي حقه في الحياة والأمان،
- لا دولةً تستفيق على وقع الجريمة ثم تعود إلى سباتها.
لقد آن لهذا النزف أن يتوقّف. فالأمن حق، والعدالة ليست ترفًا، وحياة الإنسان ليست رقمًا آخر يُضاف إلى سجلّ الجرائم.
وحين يفقد المواطن شعوره بالأمان، تكون الدولة قد أخفقت في واحد من أبسط أسباب وجودها.
نريد دولةً تسبق الجريمة بخطوة… لا مسؤولين يصلون بعدها بخطاب استنكار.


