
في تاريخ الأوطان، لا تُقاس عظمة الرجال بما جمعوه من مناصب، ولا بما أحاط بهم من نفوذ، بل بكرامة صانوها، وبقيّمٍ نشأوا عليها وتشبثوا بها يوم تنكّر لها الجميع.
في مدرسة كميل نمر شمعون الشرف يسمو على السلطة، والسيادة على المصلحة، والحرية على الخوف والخنوع. مدرسةٌ لم تجعل من السياسة سوقاً، ولا من الوطن سلعةً.
وفي هذه المدرسة، ليس الاسم وحده إرثاً، بل المواقف إرثاً، والصلابة في الشدائد إرثاً، والإرث الأسمى هو الإيمان بأن كرامة الإنسان والوطن أثمن من أي موقع أو مكسب شخصي.
لقد حمل دوري كميل شمعون اسماً كبيراً في التاريخ، وإرثاً أكبر في وجدان لبنان، ارث من يرسم التاريخ لا من يقتنص فرصه، ومن يصنع الحرية لا من يستجديها.
رفض عروض الاحتلال السوري العديدة له بإعطائه كتلة نيابية ووزارية ضخمة ومواقع ادارية طائلة، مقابل ان يتوقف عن مهاجمته، فلم يقبل بالعروض ولم يوقف هجومه حتى زوال الاحتلال، متكبّداً الأثمان الباهظة. فلعلّ أبلغ ما يكشف معدن الرجال هو ما يرفضونه من مغريات في أحلك الظروف.
تاريخ من الحرية والوطنية والرجولة ثابت لا يتغيّر:
وللعبرة نستذكر صيف العام ١٩٥٧، عندما زار جلالة الملك سعود بن عبد العزيز بيروت، كان في استقباله كاظم بك الخليل ممثلاً الرئيس كميل شمعون. عرض جلالته استعداده لرصد مبلغ ثلاثة ملايين ليرة لبنانية من أجل تجديد ولاية الرئيس شمعون.
نقل كاظم الخليل العرض إلى الرئيس شمعون الذي أجابه: “اشكرْ جلالته باسمي، واعتذر عن قبول المبلغ لأننا لسنا بحاجة إليه… وأنا لا أريد أن يقول جلالته غدًا، فيما لو جدّدت ولايتي، أنه هو الذي جعلني بأمواله رئيسًا للجمهورية. كما وإني لا أريد أن أحمل منّته طيلة أيّامي. لذلك بلّغه شكري واعتذاري عن قبول أيّ مبلغ”.
حاول كاظم الخليل اقناعه بقبض المبلغ لصرفه في نواح أخرى، فلم يقتنع وأصرّ على رأيه. فعاد إلى الملك وأبلغه الاعتذار الذي استغربه الملك أشدّ استغراب.
لم يكن الرفض رفضاً للمال والسلطة فحسب، بل كان رفضاً لأن تصبح الرئاسة رهينة للخارج، والقرار الوطني سند دينٍ مستحق.
هذه هي المدرسة التي نشأ عليها دوري شمعون وكان حارس هيكلها والمؤتمن على تعاليمها، وهذه المدرسة هي الوحيدة الكفيلة بانتشال لبنان من مستنقع سوق النخاسة وإعادته إلى الحياة وزمن العز والازدهار.
فهل يطوي رحيل دوري شمعون صفحة هذا التاريخ والإرث أم يستنهض لبنان الذي دافع عنه وجاهد في سبيله؟


