لاحظتُ في فايسبوك ظاهرة تستحق التوقف عندها . قد يحظى منشور ، على سبيل المثال ، بألف مشاهدة ، بينما لا تتجاوز الإعجابات ٥٪ ، والتعليقات ٢٫٥٪ ، ويبقى ٩٥٪ ممن قرأوه صامتين .
ماذا يعني هذا الصمت؟
هل هو عدم اهتمام؟ أم لامبالاة؟ أم أنانية تجعل الإنسان يكتفي بما يخصه؟ أم خوف من إبداء موقف قد يعرّضه للخلاف أو الملامة اوالانتقاد؟ أم تردّد في اتخاذ موقف؟ وربما هو أيضاً شعور بأن الرأي لا يغيّر شيئاً ، أو أننا اعتدنا أن نقرأ ونستهلك الأفكار من دون أن نشارك في مناقشتها .
لا يعني الصمت بالضرورة أحد هذه الأسباب ، ولا يمكن الحكم على كل فرد من خلال تفاعله على فايسبوك . هل أصبحنا مجتمعاً يقرأ كثيراً ، ويعبّر قليلاً ، ويتابع ما يحدث من حوله من موقع المتفرج؟
المشاركة سهلة ولا تكلّف شيئاً ، لكن إبداء الرأي يحتاج إلى موقف ، حتى لو كان مجرد كلمة : أوافق ، أختلف ، أتفق مع هذه الملاحظة ، أو لدي وجهة نظر أخرى .
ولست أقول إن كل من يشارك منشوراً يجب أن يكتب تعليقاً . لكن الإنسان لا يكون فاعلاً في مجتمعه بمجرد أنه قرأ ، بل عندما تكون له وجهة نظر وموقف ، والأهم أن يكون هذا الرأي عقلانياً ، بعيداً عن التجريح والانفعال وردّة الفعل السلبية .
ليس المطلوب أن نتفق جميعاً . فالاختلاف ، عندما يكون محترماً وعقلانياً ، قد يكون أكثر فائدة من الاطلاع الصامت ، لأنه يفتح باب الحوار ، ويجعل الفكرة أكثر نضجاً ، وربما يقود إلى تصحيحها أو تطويرها .
ويُنسب إلى سقراط قوله : تكلّم حتى أراك . وكأن الكلام ليس مجرد صوت ، بل كشف للفكر والشخصية والموقف .
قد نصمت أحياناً مسايرةً ، أو تجنّباً للخلاف ، أو لأننا لا نجرؤ على إعلان موقفنا . لكن الصمت الدائم يحوّل الإنسان ، مع الوقت ، من مشارك في الحياة العامة إلى مجرد متفرج عليها .
والمشكلة أن المتفرج يظل متفرجاً ، بينما الآخرون هم الذين يتحدثون ويؤثرون ويقررون .
لذلك ، عندما نقرأ فكرة تستحق النقاش ، فلنشاركها ، ولنقل رأينا ، حتى لو اختلفنا . فالمشاركة تنشر الفكرة ، أما الرأي فيصنع الحوار ، والموقف قد يصنع التغيير الذي نراه مناسباً .
لا تكن مجرد مطّلع على ما يكتبه الآخرون… كن صاحب رأي فيما يحدث من حولك .


