في كل مرة تصدر فيها نتائج اختبار دولي، نميل في لبنان إلى التعامل معها كأنها مباراة انتهت، نبحث فيها عن موقعنا بين الدول، ثم نطلق الأحكام وننتقل إلى خبر آخر.
لكن نتائج PISA 2025 لا ينبغي أن تُقرأ بهذه الطريقة.
فالرقم 372 الذي سجله الطالب اللبناني في العلوم، مقابل 482 كمعدل دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، ليس مجرد علامة منخفضة على جدول دولي. خلف هذا الرقم طالب في الخامسة عشرة من عمره، وخلف الطالب سنوات من التعليم، وخلف سنوات التعليم نظام تربوي كامل يجب أن نسأل عن قدرته على إعداد إنسان يستطيع أن يفهم العالم من حوله ويتعامل مع مشكلاته.
وهنا تكمن أهمية PISA. فالاختبار لا يكتفي بالسؤال عمّا حفظه الطالب، بل يحاول معرفة ما إذا كان قادرًا على توظيف المعرفة في موقف جديد، قراءة المعلومات وتحليلها، فهم الأدلة، بناء الاستنتاجات وحل المشكلات.
والنتائج اللبنانية تستحق التوقف.
في العلوم سجّل لبنان 372 نقطة، وفي الرياضيات 377، وفي القراءة 331، بينما بلغ في حل المشكلات الحاسوبية 358 نقطة. وبالمقارنة مع متوسط OECD، تبلغ الفجوة 110 نقاط في العلوم، و86 في الرياضيات، و130 في القراءة، و142 في حل المشكلات الحاسوبية.
لكنني أعتقد أن الرقم الأكثر دلالة ليس متوسط النقاط، بل ما يكشفه عن مستوى الكفايات الأساسية.
في القراءة، لا يصل إلى المستوى الثاني، أي الحد الأدنى للكفاءة وفق مقياس PISA، سوى نحو 22% من الطلاب اللبنانيين. وفي الرياضيات تبلغ النسبة 31%، وفي العلوم نحو 34%.
وهنا علينا أن نتوقف قليلًا.
عندما تصبح القراءة مسؤولية أستاذ العلوم
قد يبدو للوهلة الأولى أن نتائج القراءة شأن يخص أستاذ اللغة فقط. لكن المدرسة الحديثة تقول لنا شيئًا مختلفًا تمامًا.
الطالب لا يستطيع فهم تجربة علمية إذا لم يتمكن من قراءة السؤال وتحليل المعطيات. ولا يستطيع حل مسألة رياضية إذا لم يفهم المشكلة قبل أن يبدأ الحساب. ولا يستطيع تقييم معلومة على الإنترنت إذا لم يمتلك القدرة على قراءة ما وراء الكلمات والتمييز بين الدليل والرأي.
لذلك، فإن ضعف القراءة ينعكس على جميع المواد.
ربما آن الأوان لأن نتوقف عن التعامل مع القراءة باعتبارها مهارة تُدرّس في حصة اللغة، ونبدأ بالتعامل معها باعتبارها أداة أساسية للتعلم في كل المواد.
فالهدف ليس فقط أن يقرأ الطالب، بل أن يفهم، ويحلل، ويقارن، ويسأل، ثم يستخدم ما قرأه للوصول إلى معرفة جديدة.
هذا ليس جيلًا عاديًا
علينا أيضًا أن نكون عادلين مع هذا الجيل.
الطالب الذي خضع لهذا الاختبار لم يعش سنوات مدرسية طبيعية. فمنذ عام 2019، مرّ لبنان بانهيار اقتصادي واجتماعي عميق، ثم جاءت جائحة كورونا، وإقفال المدارس، والإضرابات، والأزمة التي ضربت أوضاع المعلمين، وانفجار بيروت، وصولًا إلى الحرب وما رافقها من نزوح وتعطيل للمدارس.
أي تقييم للنتائج يتجاهل هذه السنوات سيكون ناقصًا.
فالمدرسة ليست مجرد مبنى، والتعليم ليس مجرد عدد من الساعات المسجلة في جدول. هناك تراكم معرفي يبنى سنة بعد سنة. إذا فقد الطالب أساسًا في القراءة أو الرياضيات في مرحلة مبكرة، فإنه يدخل المرحلة التالية وهو يحمل فجوة قد تكبر بدل أن تختفي.
ولهذا فإن العودة إلى المدرسة بعد الانقطاع لا تعني بالضرورة العودة إلى التعلم.
قد نستعيد الدوام، لكننا لا نستعيد تلقائيًا ما فقده الطالب من مهارات.
وهذه ربما إحدى أهم القضايا التي يجب أن تشغل وزارة التربية والمدارس اليوم: ليس كم يومًا حضر الطالب، بل ماذا بقي في ذهنه من هذه السنوات؟
المفارقة التي يجب أن ننتبه إليها
واللافت في نتائج PISA أن الصورة ليست صورة جيل فقد الرغبة في التعلم.
فعدد كبير من الطلاب اللبنانيين ما زال يبدي اهتمامًا بتعلم أشياء جديدة، كما تظهر لديهم مؤشرات إيجابية في تحديد الأهداف والمثابرة.
وهذا مهم جدًا.
لأننا إذا اختصرنا المشكلة بعبارة «جيل لا يريد أن يتعلم»، نكون قد وضعنا المسؤولية في المكان الخطأ.
ربما السؤال الذي يجب أن نطرحه هو: هل نظامنا التعليمي يعطي الطالب فرصة حقيقية ليمارس التفكير؟
هناك فرق كبير بين طالب يتعلم لكي ينجح في الامتحان، وطالب يتعلم لأنه يريد أن يفهم ويكتشف ويجرب.
يمكننا أن نُخرج طالبًا ممتازًا في الحفظ والاسترجاع، ثم نضعه أمام مشكلة جديدة فلا يعرف من أين يبدأ.
وهنا يظهر جوهر التعليم الذي نحتاجه اليوم: أن ننتقل من تعليم يعطي الطالب الإجابة إلى تعليم يمنحه الأدوات التي تمكنه من الوصول إليها.
التكنولوجيا وحدها لا تصنع تعليمًا حديثًا
وفي عصر الذكاء الاصطناعي، تصبح هذه المسألة أكثر إلحاحًا.
تُظهر بيانات PISA أن استخدام الطلاب اللبنانيين للذكاء الاصطناعي في الأعمال المدرسية أصبح مرتفعًا، وأن 73.7% منهم يقولون إنهم تعلموا في الصف كيفية تقييم المعلومات التي ينتجها الذكاء الاصطناعي.
لكن في المقابل، بقي أداء لبنان في حل المشكلات الحاسوبية عند 358 نقطة مقابل 500 في دول OECD.
وهنا يجب أن ننتبه إلى خطأ شائع: وجود التكنولوجيا في المدرسة لا يعني أن المدرسة أصبحت رقمية، واستخدام الطالب للذكاء الاصطناعي لا يعني أنه أصبح قادرًا على التفكير رقميًا.
يمكن أن نضع شاشة في كل صف، ونوفر جهازًا لكل طالب، ونسمح باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، ومع ذلك يبقى التعلم تقليديًا إذا ظل الطالب مستهلكًا للإجابة بدل أن يكون منتجًا للفكرة.
السؤال الحقيقي لم يعد: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي؟
السؤال هو: هل يجعل الطالب أكثر قدرة على التفكير، أم يجعله أقل حاجة إلى التفكير؟
لا يجب أن نقرأ النتائج من زاوية واحدة
هناك جانب آخر مهم في نتائج PISA يجب ألا نغفله.
فبحسب OECD، توسعت قاعدة الطلاب المشمولين بالتعليم الثانوي في لبنان مقارنة بعام 2015، وأصبح النظام يصل إلى فئات كانت أكثر عرضة للتهميش أو خارج التعليم سابقًا. وهذا التغير في تركيبة الفئة التي يقيسها الاختبار يؤثر في مقارنة النتائج عبر السنوات.
وهذه نقطة تربوية مهمة: لا يمكن أن يكون هدفنا رفع المتوسط من خلال خروج الطلاب الأضعف من النظام. المدرسة الناجحة هي التي تستوعب الجميع، ثم تعمل على رفع مستوى الجميع.
لكن الاستيعاب وحده لا يكفي.
إبقاء الطالب داخل المدرسة هو البداية، وليس الإنجاز النهائي.
من إصلاح المناهج إلى إصلاح التعلم
لبنان لا يحتاج إلى انتظار نتيجة اختبار دولي جديد كي يعرف أن هناك مشكلة.
لدينا مناهج، ولدينا مدارس، ولدينا معلمون، ولدينا طلاب يريدون أن يتعلموا. ما نحتاج إليه هو أن نعيد توجيه البوصلة نحو السؤال الأساسي: ماذا يستطيع الطالب أن يفعل بما تعلمه؟
نحتاج إلى تشخيص وطني جدي للكفايات الأساسية، خصوصًا في القراءة والرياضيات، وإلى برامج لاستعادة التعلم بدل الاكتفاء بتعويض الساعات الضائعة.
نحتاج إلى تدريب المعلمين على طرق تجعل الطالب مشاركًا في التعلم، لا مجرد متلقٍ له.
ونحتاج إلى تقييمات مدرسية لا تكافئ الحفظ وحده، بل تقيس الفهم والتحليل والتطبيق وحل المشكلات.
وفي العلوم تحديدًا، علينا أن نمنح الطالب فرصة لأن يكون باحثًا صغيرًا: يلاحظ، يطرح سؤالًا، يضع فرضية، يجرب، يخطئ، يعيد المحاولة، ثم يصل إلى استنتاج.
هذا هو التعليم الذي يحتاجه عالم الذكاء الاصطناعي.
الرقم ليس قدرًا
لا أرى في نتائج PISA حكمًا على الطالب اللبناني، ولا أعتقد أن الأرقام يجب أن تتحول إلى وصمة لجيل كامل.
الطالب اللبناني لم يفقد بالضرورة قدرته أو طموحه. لكنه عاش في نظام تعليمي واجتماعي مرّ بسنوات استثنائية، وتعرض فيها التعلم إلى انقطاعات متكررة وضغوط لم يعرفها جيل طبيعي.
لذلك يجب ألا يكون ردنا على PISA هو الخوف من الرقم، بل فهم ما وراء الرقم.
372 ليست هوية الطالب اللبناني.
331 ليست سقف قدراته.
و358 ليست حكمًا على مستقبله.
هذه أرقام تخبرنا أين نحن، لكنها لا تخبرنا إلى أين نستطيع أن نصل.
والتحدي الحقيقي أمامنا ليس أن نجعل لبنان يبدو أفضل على جدول دولي، بل أن نعيد إلى الطالب اللبناني حقه في تعليم مستقر وعميق، يجعله قادرًا على القراءة والفهم والتحليل والإبداع وحل المشكلات.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث في التعليم ليس أن يحصل الطالب على علامة منخفضة في اختبار دولي.
الأخطر أن ينتقل من صف إلى صف، ومن مرحلة إلى مرحلة، بينما الجميع يفترض أنه تعلّم، من دون أن نسأله يومًا: ماذا تعلمت فعلًا؟


