سقوط نظام بشار الأسد أنهى حكماً استمر أكثر من خمسة عقود ، وفتح أمام سوريا فرصة لبناء دولة جديدة تحمي شعبها وتعيد إليه الأمن والكرامة . لكن إسقاط النظام شيء ، وبناء الدولة شيء آخر .
و وصول أحمد الشرع إلى السلطة ، هل كان ما جرى نتيجة قوة سورية داخلية مستقلة ، أم أن هذه القوة كانت جزءاً من مسار ساهم الخارج في صنعه ودفعه إلى نهايته؟
قراءتي لما جرى تميل بوضوح إلى الاحتمال الثاني . فالشرع امتلك قوة عسكرية على الأرض ، وشارك معه سوريون في إسقاط النظام ، لكن ذلك لا يعني أن القوة التي أوصلته إلى دمشق نشأت بمعزل عن البيئة الإقليمية والدولية . فتركيا أصبحت حليفاً رئيسياً للسلطة الجديدة ، وتواصل دعمها في إعادة بناء الجيش والمؤسسات ، فيما دخلت واشنطن في علاقات مباشرة مع دمشق ، والغت عقوباتها وبقيت إسرائيل لاعباً عسكرياً وسياسياً حاضراً بقوة في المشهد السوري .
لذلك ، لا أرى وصول الشرع إلى الحكم انتصاراً داخلياً خالصاً ، بل أراه نتيجة مسار كانت للخارج فيه مساهمة أساسية ، مستندة إلى قوة سورية على الأرض لتنفيذ هذا المسار .
فالقوة التي تصل إلى الحكم تستطيع إسقاط نظام ، لكنها لا تستطيع وحدها بناء دولة . الدولة تحتاج إلى جيش واحد ، ومؤسسات واحدة ، وقانون واحد يسري على الجميع ، وقرار وطني واحد مستقل ، وقدرة على جمع السوريين رغم اختلافاتهم .
وحتى الآن ، لا تزال هذه المهمة غير مكتملة . فالمشهد السوري ما زال يحمل تعدداً في القوى والمصالح والتدخلات ، فيما تظهر بين حين وآخر احتجاجات تحمل مطالب سياسية أو معيشية . وما حدث في أيلول 2026 مهم بصورة خاصة ، إذ شهدت سوريا أوسع احتجاجات منذ سقوط الأسد ، بعد رفع أسعار الوقود ، مع قطع طرق ومطالبات بإقالة مسؤولين ، في ظل أزمة اقتصادية قاسية .
وهذه الاحتجاجات ليست مجرد اعتراض على سعر الوقود . إنها مؤشر يجب التوقف عنده ، لأن السلطة التي وصلت باسم التغيير لا تستطيع أن تطلب من الناس الصبر إلى ما لا نهاية من دون أن تقدم لهم دولة وأمناً واقتصاداً وعدالة .
كما أن الاحتجاجات المرتبطة بالحقوق الكردية تظهر أن بناء الدولة السورية لا يتعلق فقط بالسيطرة على الأرض ، بل بكيفية إدارة مجتمع متنوع يريد أن يشعر بأن الدولة تمثله ولا تفرض عليه نفسها .
من هنا ، لا أعتقد أن مستقبل سوريا يمكن أن يُبنى على شخص أو فصيل أو قوة عسكرية . وإذا بقي الانتقال من منطق الفصائل إلى منطق الدولة متعثراً ، وإذا استمرت الأزمات والاحتجاجات ، فإن المرحلة المقبلة ستفرض نفسها بطريقة مختلفة ، وقد يصبح البحث عن بديل سياسي أمراً تفرضه الوقائع لا الرغبات .
أما الشرع ، فالمسألة في نظري لا تتوقف عند شخصه ، بل عند الدور الذي جاء به إلى الحكم . فإذا كان يمتلك حرية القرار ، وأدرك أن سوريا لا تُحكم إلا بدولة لجميع السوريين ، فقد يستطيع تغيير المسار . أما إذا كان دوره محكوماً بتفاهمات ومصالح خارجية ، وكان مطلوباً منه أن ينفذ أكثر مما يقرر ، فإن المشكلة تصبح أكبر من نجاح شخص أو فشله .
ولذلك ، فإنني لا أتعامل مع ما يجري على أنه نهاية القصة ، بل بداية مرحلة ستكشفها الممارسة . فالشارع والاقتصاد والأمن ووحدة الدولة واستقلال القرار هي التي ستقول كلمتها .
قد يكون إسقاط بشار الأسد قد أنهى عهداً ، لكن ذلك لا يعني أن سوريا دخلت بعدُ عهد الدولة . وما سيكشف الحقيقة ليس ما قيل عند سقوط النظام ، بل ما ستفعله سوريا عندما تتكلم شوارعها ، ويصبح على السلطة أن تختار بين الاستجابة للواقع أو الاستمرار في الطريق نفسه .
و لا يصح أخيراً أن نقرأ سوريا كما نتمنى أن تكون ، بل كما هي . فالواقع وحده قادر على أن يثبت صحة أي قراءة أو خطأها .


