لم تعد قضية المودعين في لبنان مجرّد ملف مالي عالق بين المصارف ومصرف لبنان والدولة، ولا أرقامًا تتنقّل بين مشاريع القوانين واللجان والاجتماعات. إنها قضية أموال وحقوق وجنى أعمار لمئات آلاف اللبنانيين الذين وجدوا أنفسهم، منذ سنوات، عاجزين عن التصرّف بحرية بمدّخراتهم.
وغدًا، الخميس 17 أيلول 2026، ستكون ساحة رياض الصلح أمام محطة جديدة من هذا الملف، مع التحرك الذي دعت إليه جمعيات وروابط المودعين. والمشاركة هنا ليست تفصيلًا، لأن أي قضية عامة تفقد جزءًا من قوة حضورها عندما يبقى أصحابها في منازلهم وينتظرون أن يخوض الآخرون المعركة عنهم.
من حق المودع أن يسأل أين أصبحت أمواله، ومن يتحمل مسؤولية الخسائر، وكيف ستُعاد الودائع، وضمن أي مهلة، ومن دون تحميله نتائج سياسات وقرارات لم يكن شريكًا في صنعها. ومن حقه أيضًا أن يطالب بأن تكون حماية الودائع في صلب أي معالجة مالية، لا بندًا مؤجلًا إلى نهاية التسويات.
وفي هذا السياق، برز دور الوزير السابق عصام شرف الدين، ممثل «لقاء جمعيات المودعين»، في إبقاء الملف حاضرًا عبر اللقاءات والاتصالات السياسية. ففي كانون الثاني 2026، ترأس وفدًا من ممثلي جمعيات المودعين خلال لقاء مع الوزير كمال شحادة، وعرض الوفد ملاحظاته على مشروع قانون الفجوة المالية. كما أعلن شرف الدين في أيار أنه سيعرض المطالب العاجلة للمودعين على رئيس الجمهورية، وكان قد دعا إلى توحيد جهود جمعيات المودعين لاسترجاع الحقوق.
لكن الاتصالات، مهما بلغت أهميتها، لا تستطيع وحدها أن تحمل ملفًا بهذا الحجم. فالمسؤولية تقع أيضًا على أصحاب الحقوق أنفسهم في التعبير السلمي والمنظم عن مطالبهم، وإظهار أن قضية الودائع لم تُطوَ، وأن مرور السنوات لا يحوّل الحق إلى خسارة مقبولة أو أمر واقع.
غدًا، لا ينبغي أن تكون ساحة رياض الصلح ساحة جمعيات وأسماء وشعارات فقط، بل مساحة جامعة لكل مودع يعتبر أن وديعته حق وليست منّة من أحد. الحضور السلمي والكثيف يوجّه رسالة إلى الدولة والمجلس النيابي ومصرف لبنان والمصارف بأن معالجة الأزمة لا يمكن أن تُبنى على تغييب أصحاب الأموال عن طاولة الحل.
ومن لديه مئة دولار عالقة ليس أقل حقًا ممن لديه مئة ألف أو مليون. القضية في جوهرها واحدة: هل تبقى الوديعة ملكًا لصاحبها، وهل تستطيع الدولة أن تنتج حلًا عادلًا يعيد الحقوق ويحفظ في الوقت نفسه استقرار النظام المالي؟
لذلك، فإن تحرك الغد يستحق المشاركة الواسعة والسلمية. لا لأن الشارع بديل عن المؤسسات، بل لأن صوت أصحاب الحقوق يجب أن يصل إلى المؤسسات بوضوح.
المودعون انتظروا سنوات… وغدًا لديهم فرصة ليقولوا بصوت واحد في رياض الصلح: وديعتنا حق، واستعادتها ليست مطلبًا موسميًا بل قضية لن تسقط مع الزمن.


