
ما إن صدر طلب النيابة العامة من المحقق العدلي تضمين القرار الظني اتهام الرئيس العماد ميشال عون، حتى بدأت موجة واسعة من المواقف والتعليقات، وكأن الاتهام قد صدر فعلاً، وكأن الحكم أصبح أمراً واقعاً قبل أن يصدر القرار الظني وقبل أن تُعرف حيثياته وأدلته.
وهنا لا بد من التوقف عند مسألة تتجاوز شخص الرئيس العماد ميشال عون إلى مبدأ أخطر وأوسع: كيف نتعامل مع القضاء؟ وكيف نحمي العدالة من أن تتحول إلى مادة للصراع السياسي والإعلامي؟
إن قرار الاتهام، أياً كان الشخص المعني به ومهما كان موقعه، يجب أن يقوم على وقائع محددة وأدلة واضحة تبرر قانوناً نسبة الجرم إليه.
فإذا كان هناك ما يُدين، فليكن الاتهام واضحاً وصريحاً، ولتُعرض الوقائع والأدلة التي تثبته، وليتحمل كل مسؤول نتيجة أفعاله، أياً كان اسمه أو موقعه.
أما أن تُطرح وقائع يمكن أن تُبنى عليها عشرات الاحتمالات والتفسيرات، ثم يُترك للرأي العام أن يصدر أحكامه، فهذا لا يمكن أن يكون بديلاً عن الدليل القضائي.
الاتهام شيء، والإدانة شيء آخر. وبينهما قانون وأدلة ومحاكمة.
الدستور قبل الاصطفاف السياسي
وهنا لا بد من العودة إلى الدستور اللبناني.
فالمادة 60 من الدستور تحدد مسؤولية رئيس الجمهورية أثناء قيامه بوظيفته، وتنص على أنه لا تبعة عليه إلا عند خرق الدستور أو في حال الخيانة العظمى، كما تتناول الجرائم العادية، وتحدد آلية اتهامه ومحاكمته.
والأهم أن الدستور لم يترك هذه المسألة للاجتهاد السياسي أو الإعلامي، بل وضع آلية دستورية واضحة لمساءلة رئيس الجمهورية.
كما تنص المادة 80 على إنشاء المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، وهو المرجع الذي حدده الدستور لهذه المحاكمة.
ومن هنا، فإن احترام الدستور لا يعني حماية رئيس الجمهورية من المساءلة، كما أن المساءلة لا تعني تجاوز الدستور.
إذا كان هناك جرم، فليُلاحق مرتكبه، ولكن وفق الأصول التي رسمها الدستور والقانون.
أما تحويل المسألة إلى معركة سياسية أو إعلامية، فهذا أمر آخر تماماً.
ميزان العدل ليس ميزان السياسة
وهنا أصل إلى النقطة التي أراها جوهرية:
ميزان العدل يجب أن يبقى بعيداً عن اصطفافات السياسة.
لا يجوز أن يتغير وزن القضية لأن المتهم ينتمي إلى هذا الفريق أو ذاك.
ولا يجوز أن يصبح القانون شديداً عندما يكون الخصم السياسي في موقع الاتهام، ثم يصبح مرناً عندما يكون الحليف هو المعني.
العدالة لا تعرف موالاة ولا معارضة.
لا تعرف أكثرية ولا أقلية.
ولا تعرف رئيساً سابقاً أو رئيساً حاضراً عندما يتعلق الأمر بتطبيق القانون.
القاضي لا يجب أن يرى في الملف لوناً سياسياً، بل وقائع وأدلة ونصوصاً قانونية.
وهذا هو جوهر استقلال القضاء.
فإذا ثبت جرم على الرئيس العماد ميشال عون، فليتحمل مسؤوليته كاملة وفق الدستور والقانون.
وإذا لم تثبت مسؤوليته، فليقل القضاء كلمته أيضاً.
ولا ينبغي أن يكون هناك حكم مسبق في أي من الاتجاهين.
الإعلام ليس محكمة
واللافت كذلك هو سرعة وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي وكل من يتعاطى الشأن الإعلامي في تناول الخبر والتعليق عليه.
فما إن انتشر الخبر حتى انقسم الناس بين شاتم ورافض، وبين من يتمنى الإدانة ومن يرفضها، وكأن القرار قد صدر، وكأن مضبطة الاتهام أصبحت معروفة، وكأن القضاء قال كلمته.
وكل ذلك قبل صدور القرار الظني وقبل معرفة مضمونه وأسبابه وأدلته.
من حق الإعلام أن ينقل.
ومن حق المواطن أن يناقش.
ومن حق السياسي أن يعلن موقفه.
لكن ليس من حق أحد أن يحوّل مجرد إجراء قضائي إلى إدانة شعبية مسبقة.
فالإنسان قد يُتهم، لكن الاتهام ليس إدانة.
وقد يُفتح تحقيق، لكن التحقيق ليس حكماً.
وقد تُطرح وقائع، لكن الوقائع لا تصبح جرماً إلا إذا اكتملت عناصره وثبتت المسؤولية عنه وفق القانون.
لا يجوز أن تصبح مواقع التواصل الاجتماعي قاعة محكمة، ولا أن تتحول شاشات التلفزة إلى منصات لإصدار الأحكام.
لا أحد فوق القانون… ولا أحد تحت ظلم القانون
أنا لا أدافع هنا عن شخص لمجرد موقعه، ولا أطالب بإعفاء أحد من المساءلة.
بل أقول بوضوح:
لا أحد فوق القانون.
لكنني أقول بالقدر نفسه:
ولا أحد يجب أن يكون تحت ظلم القانون.
وهذا الفرق جوهري.
فالعدالة لا تكون عدالة إذا كانت غايتها الوصول إلى شخص معين.
والقضاء لا يكون مستقلاً إذا أصبح متأثراً بالضغط السياسي أو الإعلامي أو الشعبي.
والمساءلة لا تكون سليمة إذا كانت نتيجة اصطفاف سياسي.
إذا كان هناك دليل، فليتكلم الدليل.
وإذا كان هناك جرم، فليثبت الجرم.
وإذا كانت هناك مسؤولية، فليحددها القضاء.
أما إذا لم تتوافر الأدلة، فلا يجوز أن تحل الرغبة السياسية محل القانون.
الرئاسة ليست حصانة… لكنها ليست مباحة
الرئاسة الأولى ليست فوق القانون، ولكنها أيضاً لا تُلاحق خارج القانون والدستور.
وهذه القاعدة لا ينبغي أن تكون مرتبطة باسم ميشال عون وحده.
بل يجب أن تكون قاعدة ثابتة تحمي كل رئيس جمهورية، وكل مسؤول، وكل مواطن.
لأننا إذا قبلنا اليوم بتجاوز القواعد الدستورية لأن الشخص الذي يخضع للمساءلة لا ينتمي إلى فريقنا السياسي، فقد يأتي يوم تُستخدم القاعدة نفسها ضد الشخص الذي ننتمي إليه.
وهنا تكمن خطورة تحويل القضاء إلى أداة في الصراع السياسي.
القانون الذي نحميه اليوم لخصمنا السياسي هو نفسه القانون الذي سيحمينا غداً عندما نصبح نحن في موقع الاتهام.
كلمة أخيرة
إن العدالة الحقيقية لا تحتاج إلى حملة إعلامية كي تثبت قوتها.
ولا تحتاج إلى جمهور يصفق لها.
ولا إلى خصوم سياسيين كي تمنحها الشرعية.
تحتاج إلى قاضٍ مستقل، وملف واضح، وأدلة ثابتة، ونص قانوني، وقرار معلل.
فلنترك القضاء يقول كلمته.
إذا كان هناك ما يدين، فليكن الاتهام واضحاً، ولتُعرض الأدلة، وليتحمل كل من تثبت مسؤوليته نتيجة أفعاله.
وإذا لم تثبت المسؤولية، فليكن للقانون وحده شرف قول ذلك.
فالعدالة ليست انتقاماً، والقضاء ليس ساحة لتصفية الحسابات، والإعلام ليس محكمة، والرأي العام ليس بديلاً عن الدليل.
والأهم:
ميزان العدل يجب أن يبقى بعيداً عن اصطفافات السياسة، فلا يميل مع هذا الفريق ولا يستقيم مع ذاك، بل يبقى قائماً على قاعدة واحدة: الوقائع، والدليل، والقانون.
العدالة فوق الجميع، ولا تكون غبّ الطلب.


