رحل رئيس الجمهورية المنتخب بشير الجميّل جسدًا، لكن رؤيته للجمهورية بقيت حاضرة في الذاكرة السياسية والوطنية.

غاب قبل أن يبدأ ولايته، وقبل أن تتاح له فرصة ترجمة مشروعه إلى واقع، إلا أن المرحلة التي عاشها والخطاب الذي حمله جعلا منه شخصيةً ما زالت، بعد عقود، حاضرة في النقاش السياسي والوطني.
كان بشير الجميّل يرى لبنان دولةً سيدةً على كامل أرضها، لا تتقاسم قرارها قوى الأمر الواقع، ولا يكون فيها سلاح خارج مؤسساتها الشرعية. وكان يعتبر أن قيام الدولة لا يمكن أن يكون شعارًا موسميًا أو موقفًا عابرًا، بل أساسًا لبناء وطن قادر على حماية أبنائه، وصون سيادته، وتأمين مستقبلهم.
وفي رؤيته، لم يكن لبنان مجرد مساحة جغرافية تتعايش فيها الطوائف، بل وطنًا لجميع أبنائه، يقوم على دولة قوية، ومؤسسات فاعلة، وقضاء مستقل، وجيش قادر على حماية الحدود وصون السيادة. وكان يؤمن بأن اللبناني لا ينبغي أن يكون تابعًا لأي محور خارجي، وأن القرار الوطني يجب أن يُصنع في بيروت، لا أن يُملى عليها من أي عاصمة أخرى.
وقد يختلف اللبنانيون حول بشير الجميّل، وحول تجربته وخياراته وتحالفاته، وهذا أمر طبيعي في قراءة شخصية سياسية أثارت الكثير من الجدل. لكن الاختلاف السياسي لا يلغي ضرورة قراءة تلك المرحلة بموضوعية، ولا يمنع من التوقف عند أفكار ما زالت مطروحة بقوة حتى اليوم: الدولة، والسيادة، ووحدة القرار، ورفض تحويل لبنان إلى ساحة لصراعات الآخرين.
واليوم، بعد كل ما مرّ به لبنان من حروب وانقسامات وأزمات وانهيار مؤسساتي، يعود السؤال الذي لم يسقط بمرور الزمن: هل يستطيع اللبنانيون أخيرًا أن يبنوا الدولة التي حلموا بها؛ دولةً لا تكون فيها السيادة مجتزأة، ولا يُطبَّق فيها القانون بانتقائية، ولا يكون المواطن رهينة الزعامات والخدمات والمحاور؟
قد يختلف اللبنانيون على الرجل، وعلى تجربته وخياراته، لكن التاريخ لا يُقرأ بالشتائم ولا بالتقديس، بل بالنقد والمقارنة واستخلاص العبر.
رحل بشير الجميّل، لكن رؤيته للبنان بقيت سؤالًا مفتوحًا أمام أجيال لم تجد بعد جوابها النهائي: أيّ لبنان نريد؟ لبنان الساحة، أم لبنان الدولة؟ لبنان المحاور، أم لبنان السيادة والقرار الحر؟
وهنا تكمن أهمية الذاكرة. فليس المطلوب أن نتفق جميعًا على بشير الجميّل، ولا أن نقرأ تجربته بالطريقة نفسها، بل أن نتفق على حقيقة أكبر من الأشخاص والخلافات: أن لبنان لا يستطيع أن يبقى أسير الانقسام وصراعات الآخرين، وأن بناء دولة قوية وعادلة وسيّدة، تحتكر قرارها وسلاحها وتحمي جميع أبنائها، يبقى الطريق إلى وطن قابل للحياة.


