منذ المواجهة الأولى في الحرب الإسرائيلية ، بدأت معالم النتائج تظهر بوضوح ، لا سيما على الساحة اللبنانية .
ومع اتساع الخسائر ، وسقوط الشهداء والجرحى ، ودمار القرى والبلدات الجنوبية ، لم يعد النصر متعلقاً بمن يرفع رايته ، وهو متعثر في الميدان ، بل بمن يدفع ثمن الحرب ، ومن يتحمل مسؤولية ما حلّ بالوطن ؟
المؤسف أن النقاش مع بعض الإخوة الشيعة ، حين يتناول واقع الحرب ونتائجها ، ينحرف سريعاً إلى السرد التاريخي واستحضار الانتصارات السابقة .
والتاريخ ، مهما كانت أهميته ، لا يستطيع أن يغيّر واقعاً قائماً ، ولا أن يعيد قرية مدمّرة ، أو يعوّض عائلة عن فقيد ، أو يعيد إلى الناس أمنهم وبيوتهم وأرزاقهم .
نحن أمام مأزق حقيقي . فبدل أن تكون الخسائر مناسبة لمراجعة الخيارات والالتزامات ، يتحول الخطاب إلى محاولة تبرير الاستمرار في النهج نفسه ، والبحث عن كل ما يرضي القناعات السابقة ، ولو كان الواقع يفرض قراءة مختلفة .
إن الاعتراف بالخسارة ، حين تقع ، ليس خيانةً ولا ضعفاً ، بل مسؤولية وشجاعة . والانتصار الحقيقي لا يُقاس بالشعارات ، ولا بقدرة الخطاب على إقناع جمهوره ، بل بما يحفظ الإنسان والأرض والدولة والمستقبل .
المطلوب اليوم صحوة من الأوهام ، ومراجعة هادئة وجريئة للخيارات ، والتحرر من الالتزامات الخارجية التي تجعل لبنان يدفع أثمان صراعات لا يملك قرارها . فلا قيمة لأي انتصار يُعلن فيما الوطن يخسر أرضه ، وأهله ، واقتصاده ، وأمنه ، ومستقبله .
ما الفائدة من أن نرفع راية النصر ، إذا كنا نخسر في الوقت نفسه الوطن الذي من أجله يُفترض أن نقاتل؟
لقد حان وقت إعادة النظر ، وبناء الموقف على الحقائق لا على الأمنيات ، وعلى مصلحة لبنان واللبنانيين قبل أي اعتبار آخر .


