بعد الضجة الإعلامية التي أثيرت حول مشروع “بيت الغابة” في بكاسين، وما رافقها من اتهامات وردود قانونية متبادلة، لا أجد نفسي معنياً بالدخول في السجال القائم، ولا في ترجيح رواية على أخرى، فذلك متروك للجهات المختصة وللوقائع التي ستتكشف تباعاً.
إلا أنني أجد نفسي معنياً، من موقع مختلف تماماً، بالإدلاء بشهادة للتاريخ، لأنني كنت، يوم ولادة هذا المشروع، رئيساً لاتحاد بلديات منطقة جزين، وكل مراحل اختياره ودراسته وتأمين تمويله وإعداد دفتر شروطه تمت في تلك المرحلة، وتحمل توقيعي بصفتي رئيساً للاتحاد.
والأهم من ذلك أن فكرة المشروع لم تكن فكرة الاتحاد وحده، بل جاءت استجابة لرغبة واضحة وصريحة من بلدية بكاسين، التي كان يرأسها يومها الزميل والصديق المحامي عبد الله سعد، نائب رئيس اتحاد البلديات في الوقت نفسه، وكانت إرادة البلدية تتجه بصورة لا لبس فيها إلى أن يبقى “بيت الغابة” مرفقاً عاماً تستثمره البلدية بنفسها، ليشكل مورداً مالياً ثابتاً يضاف إلى المورد الطبيعي الذي تتميز به البلدة والمتمثل بحرج الصنوبر المثمر، الذي يعد من أكبر الأحراج من هذا النوع في الشرق الأوسط.
لقد كان الهدف واضحاً منذ البداية: إنشاء مشروع سياحي وإنمائي يعود ريعه إلى بلدية بكاسين وأهلها، لا أن يتحول إلى مصدر منفعة خاصة لأي كان.
لكن ما حصل بعد ذلك، مع تبدل المشهد السياسي في جزين وسيطرة فريق سياسي واحد على معظم المجالس النيابية والبلدية، كان مختلفاً عما رسمناه يوم وضعنا هذا المشروع. فقد سادت، في تلك المرحلة، قناعة لدى المنتصرين بأن كل شيء بات مباحاً، وأن الشعارات التي رفعت في الحملات الانتخابية لم تعد ملزمة بعد الوصول إلى السلطة.
ومن المؤسف أن هذه الذهنية انعكست على عدد من المشاريع العامة، وكان “بيت الغابة” واحداً منها، حيث جرى التعامل معه، في نظر كثيرين، بما لا ينسجم مع الفكرة الأساسية التي أنشئ من أجلها، سواء لناحية شروط الاستثمار أو بدلاته أو طريقة إدارة المشروع، الأمر الذي أدى، مع مرور السنوات، إلى نشوء إشكالات واعتراضات لا تزال تتفاعل حتى اليوم.
واليوم، وبعد تبدل عدد من المجالس البلدية وتغير موازين القوى السياسية، أجد من الطبيعي أن تسعى المجالس الجديدة إلى إعادة النظر في بعض الملفات التي ترى أنها ألحقت ضرراً بالمصلحة البلدية، وأن تحاول، ضمن حدود القانون، تصويب ما تعتبره خللاً في الإدارة أو في العقود أو في كيفية استثمار الأملاك العامة.
أما بالنسبة إلى الجدل الدائر حالياً حول وجود تضارب مصالح بسبب مساهمة رئيس البلدية أو أحد أعضاء المجلس في الشركة المستثمرة، فلا أستطيع، من موقعي، أن أجزم بصحة ما ينشر أو ينفى.
لكنني أقول، بكل هدوء، إنه إذا كانت الإجراءات التي أشارت إليها البلدية في بيانها قد احترمت فعلاً، وكان رئيس البلدية أو العضو المعني قد امتنع عن الاشتراك في المداولات والتصويت كلما تعلق الأمر بمصلحة شخصية، والتزم المجلس سائر الأصول التي يفرضها قانون البلديات، فإن الحكم النهائي يبقى للقانون وللجهات الرقابية والقضائية المختصة، لا لوسائل الإعلام ولا للرأي العام.
أما رأيي الشخصي، فهو مختلف قليلاً.
فحتى لو كان القانون يجيز البقاء ضمن هذه العلاقة التعاقدية مع التقيد بالأصول، فإنني، لو كنت مكان رئيس البلدية، لاخترت الخروج من المشروع، ليس اعترافاً بأي خطأ، بل حماية لمنصب رئيس البلدية، وصوناً لثقة الناس، وإبعاداً لأي شبهة أو التباس يمكن أن يثار حول القرارات التي تتخذ مستقبلاً.
العمل العام لا يكتفي بأن يكون نظيفاً، بل يجب أن يبدو كذلك أيضاً.
وفي النهاية، يبقى أملي أن يعود النقاش إلى جوهر القضية، بعيداً عن الحملات المتبادلة، وأن يبقى الهدف الأول هو الحفاظ على هذا المشروع الذي أنشئ أساساً لخدمة بلدة بكاسين وأهلها، وأن يعود إلى أداء الدور الإنمائي والسياحي الذي ولد من أجله قبل سنوات:
“لقد تعلمت، خلال سنوات العمل البلدي، أن المشاريع العامة لا يجب أن تكون ضحية تبدل العهود، ولا أن تتحول إلى غنائم للمنتصرين أو إلى مادة للانتقام من السابقين، بل يجب أن تبقى ملكاً للناس وحدهم، لأن التاريخ لا يبدأ بمجلس بلدي، ولا ينتهي بانتهاء ولايته.


