العميد الركن مروان زاكي (م)
في السياسة ، كثيراً ما تُدار الصراعات بطريقة تحقق أكثر من هدف في آن ، فتتقاطع المصالح الإقليمية والدولية حول هدف مشترك ، وإن اختلفت دوافع كل طرف .
لكن ماذا سيكون مصير آلاف المقاتلين الأجانب الذين دخلوا إليها خلال سنوات الحرب؟ فمع تغيّر موازين القوى ، وسعي الدولة السورية إلى تثبيت الاستقرار والانفتاح على محيطها العربي والدولي ، قد يتحول وجود هؤلاء إلى عبء أمني وسياسي أكثر منه ورقة قوة .
والتاريخ مليء بأمثلة لجماعات مسلحة خرجت عن الأهداف التي أُنشئت من أجلها ، فأصبحت مصدر قلق حتى لمن دعمها في السابق . لذلك ، ليس مستبعداً أن يصبح التخلص من هذا الإرث مصلحة تتقاطع عند أكثر من طرف .
إذا افترضنا أن الرئيس دونالد ترامب يؤيد أن تتولى السلطة السورية بقيادة أحمد الشرع مواجهة حزب الله ، فقد تجد تركيا في ذلك ما ينسجم مع نفوذها ودورها في سوريا ، بينما ترى إسرائيل فيه فرصة لتحقيق هدف استراتيجي يتمثل في إضعاف حزب الله من دون الانخراط في حرب واسعة .
وفي مثل هذا السيناريو ، قد يصبح الزج بالمقاتلين الأجانب في مواجهة مع حزب الله وسيلة تحقق أكثر من غاية في آن ، فهي تخفيف العبء عن سوريا ، وتستنزاف قوة تعتبرها إسرائيل خصماً استراتيجياً ، وتحقق مصالح عند أكثر من لاعب .
لا توجد أدلة علنية تؤكد وجود خطة من هذا النوع ، لكن السياسة لا تُقرأ بالنوايا ، بل بالمصالح ، ولا تنتظر ظهور الوقائع حتى تبدأ بقراءة الاحتمالات . فكم من أزمة انتقلت من دولة إلى أخرى عندما تلاقت الإرادات والمصالح .
وإذا تحقق مثل هذا السيناريو ، فإن معظم الأطراف قد تحقق مكاسب أو تحدّ من خسائرها ، أما لبنان فقد يكون الخاسر الوحيد ، إذ يجد نفسه مرة جديدة ساحةً لتصفية صراعات الآخرين ، فيما يدفع شعبه ومؤسساته ثمن حرب لم يخترها .
من هنا ، لا يجوز للدولة اللبنانية أن تتعامل مع مثل هذه الفرضيات بالاستخفاف أو الانتظار . فالدول التي تحترم أمنها القومي تضع خططها قبل وقوع الأزمات ، لا بعدها .
وتبقى المسؤولية الأولى والأخيرة على عاتق الدولة اللبنانية ومؤسساتها الدستورية ، وفي مقدمتها الجيش ، باعتباره الجهة المخولة حماية الحدود والدفاع عن السيادة وصون أمن جميع المواطنين ، بعيداً عن أي انقسام سياسي أو حزبي أو طائفي .
إن اليقظة اليوم ليست خياراً ، بل ضرورة وطنية ، وهذا يقتضي تعزيز مراقبة الحدود ، ورفع مستوى التنسيق بين الأجهزة الأمنية والعسكرية ، وإعداد خطط استباقية للتعامل مع أي تطور قد يهدد الأمن الوطني أو يحاول جرّ لبنان إلى مواجهة لا تخدم مصلحته .
قد لا يتحقق هذا السيناريو ، وهذا ما يتمناه كل لبناني حريص على وطنه ، لكن الأمن القومي لا يُبنى على حسن النيات ، بل على حسن تقدير المخاطر والاستعداد لمواجهتها .
لقد دفع لبنان أثماناً باهظة لأنه كان ، مراراً ، ساحةً لصراعات الآخرين . وما يحتاجه اليوم ليس حرباً جديدة ، بل دولة قوية ، وجيشاً قادراً ، وقراراً وطنياً يحول دون تحويل أرضه مرة أخرى إلى صندوق بريد لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية .


