العميد الركن مروان زاكي (م)
المقاومة ليست مجرد خوض حرب ، بل هي قبل كل شيء مشروع وطني يهدف إلى حماية الوطن والدفاع عن شعبه . ولا تُقاس فقط بالشعارات أو بطول أمد المواجهة ، بل بقدرتها على تحقيق أهداف واضحة ، وردع العدو ، وصون الأرض ، وحماية أرواح المواطنين .
ومن أهم ركائز أي مقاومة ناجحة وحدةُ الجبهة الداخلية ، لأنها تمنحها الشرعية الوطنية ، وتؤمّن لها الحاضنة الشعبية ، وتوحّد القرار في مواجهة الأخطار . أما عندما ينقسم المجتمع حول قرار الحرب والسلم ، ويغيب الإجماع الوطني ، ويشعر قسم من اللبنانيين بأن القرار لا يصدر عن الدولة ومؤسساتها ، فإن أي مواجهة تصبح أكثر كلفة على الوطن ، وتتحول من مصدر قوة إلى عامل انقسام .
وتزداد الإشكالية عندما يُنظر إلى أي مشروع عسكري على أنه مرتبط بمحاور إقليمية أكثر من كونه نابعاً من قرار وطني جامع ، لأن قوة أي قضية لا تستند فقط إلى عدالة الهدف ، بل إلى وحدة الداخل واستقلالية القرار .
ولا ينتقص هذا الكلام من تضحيات الشهداء ولا من آلام الجرحى ومعاناة عائلاتهم . فهؤلاء قدّموا أغلى ما يملكون ، انطلاقاً من قناعاتهم وإيمانهم بالدفاع عن وطنهم وقضيتهم . إن احترام هذه التضحيات لا يكون بتجاهل نتائجها ، وهل كانت القرارات مدروسة بما يكفي؟ وهل حققت ما يوازي حجم الأثمان التي دفعها الشعب؟ فالعمل الوطني يحتاج إلى رؤية واضحة ، وإلى حساب دقيق لموازين القوى ، وإلى تقدير حقيقي لمصلحة الوطن . وعندما تغيب هذه العناصر ، يتحول القرار إلى مغامرة يدفع المواطنون ثمنها ، بينما يبقى أصحاب القرار بعيدين عن تبعاتها .
والأخطر من ذلك هو تحويل أي نقاش إلى محرّم ، وكأن الوطنية تعني الموافقة الدائمة . لكن الأوطان لا تُدار بالعواطف ، ولا تُحمى بالشعارات ، بل بالعقل والمسؤولية والمحاسبة .
إن القضية العادلة لا تصبح أكثر عدالة إذا أُهدرت بسببها حياة الناس ومستقبل الوطن . ولا يجوز أن تتحول التضحيات إلى هدف بحد ذاته ، بينما تتراجع فرص بناء دولة قوية تمتلك قرارها ، وتحمي جميع مواطنيها ، وتمنع تكرار المآسي . النصر هو أن يبقى الوطن قائماً ، وأن يعيش المواطن بأمان ، وأن تخرج الدولة من الأزمات أقوى لا أضعف ، وأن يكون المستقبل أكثر استقراراً وأملاً .
أما إذا كانت النتيجة في كل مرة هي الدمار نفسه ، والنزوح نفسه ، والخسائر نفسها ، والانقسام نفسه ، فلا بد من مراجعة النهج ، لأن تكريم الشهداء لا يكون بإرسال المزيد من الأبناء إلى المجهول ، بل ببناء وطنٍ لا يضطر أبناءه إلى دفع الثمن مرة بعد مرة .
الوطن ليس وقوداً لأي مشروع ، مهما كانت شعاراته ، ودماء اللبنانيين ليست وسيلة لإثبات المواقف . فالمقاومة الحقيقية هي التي تحمي الوطن ، وتحفظ شعبه ، وتبني مستقبله ، أما القرار الذي يقود إلى استنزاف الوطن ، فيبقى بحاجة إلى مراجعة ومساءلة


