هناك نساءٌ لا تُعرَف بكثرة الظهور، بل بكثرة الأثر. نساءٌ يعشن للناس قبل أن يعشن لأنفسهن، ويتركن بصماتهن في القلوب قبل أن يتركنها على الورق. وحين يرحلن، لا يبكيهن أهل البيت وحدهم… بل يبكيهن كل من عرف فيهن قلبًا كبيرًا، ويدًا معطاءة، وروحًا لا تعرف إلا الخير.

برحيل الحاجة دلال كمال المقداد، لا يفقد الصديق طلال محسن المقداد (أبو ربيع) زوجةً فحسب، بل يفقد رفيقة العمر، وشريكة الدرب، والسند الذي شاركه سنوات العطاء والعمل الإنساني بصمتٍ وإخلاص. وتفقد الأسرة أمًّا احتضنت أبناءها ربيع وحسين، وابنتها علا، وحملت في قلبها وجع رحيل ابنها المرحوم محسن، بصبر المؤمنين وإيمانهم.
لم تكن الحاجة دلال من النساء اللواتي يبحثن عن الأضواء، بل كانت تؤمن بأن الخير الحقيقي هو ذاك الذي يُصنع بعيدًا عن التصفيق، وأن الكلمة الطيبة، واليد الممدودة، والابتسامة الصادقة، قد تكون أعظم من أي إنجاز يُكتب في الصحف.
عرفها الناس قريبةً منهم، محبةً لهم، حاضرةً في أعمال الخير والعمل الاجتماعي، تؤازر زوجها في كل مبادرة إنسانية، وتؤمن بأن خدمة الإنسان هي أسمى وجوه العبادة. لذلك، لم يكن حضورها مجرد حضور زوجة إلى جانب زوجها، بل كان حضور شريكة تحمل الرسالة نفسها، وتؤمن بالقيم نفسها، وتعيش للآخرين كما تعيش لعائلتها.

ولعلّ أصدق تعبير عن هذه الرسالة الإنسانية، أن أثر الحاجة دلال لم يتوقف عند رحيلها. فقد آثر زوجها، وفاءً لذكراها الطاهرة، أن يحوّل الحزن إلى عمل خير يبقى شاهدًا على مسيرتها، فقدم سيارة إسعاف مجهزة إلى جمعية آل المقداد الخيرية وعموم أهالي بلدة لاسا عن روحها، لتبقى يد الخير التي آمنت بها ممتدةً إلى كل مريض ومحتاج، وكأنها، حتى بعد غيابها، ما زالت تواصل رسالتها في خدمة الإنسان.

وكان لجبيل مكانةٌ خاصة في قلب الحاجة دلال. أحبّت أهلها كما أحبّت كل إنسان قصدها، فبادلتها المدينة المحبة بالوفاء. ولعلّ أجمل ما يختصر هذه العلاقة، أن ذكرى مرور عام على رحيلها ستُقام بين محبيها في جبيل؛ وكأن المدينة التي سكنت وجدانها، أرادت أن تحتضن ذكراها كما احتضنت حضورها، لتبقى سيرتها حيّة في قلوب من عرفوها وأحبّوها، تمامًا كما بقيت حيّة في ذاكرة كل من نال من خيرها أو لمس إنسانيتها.
إن بعض النساء لا يتركن وراءهن ثروةً تُقسَّم، بل محبةً تتوزع على القلوب. يرحلن بأجسادهن، لكن سيرتهن تبقى حيّة في دعوات المحتاجين، وفي امتنان من ساعدنهم، وفي ذاكرة كل من عرف أن الخير لا يحتاج إلى ضجيج كي يصنع أثرًا.
إلى الصديق طلال محسن المقداد (أبو ربيع)، وإلى أبنائها ربيع وحسين وعلا، وإلى العائلة الكريمة، والى عموم أهالي بلدة لاسا و الجبيليين ، نتقدم بخالص العزاء وصادق المواساة، ، سائلين الله تعالى أن يتغمّد الحاجة دلال كمال المقداد بواسع رحمته، وأن يجعل ما زرعته من خيرٍ ومحبة في ميزان حسناتها، وأن يلهم أهلها ومحبيها الصبر والسلوان.
فالراحلون لا يخلّدهم العمر… بل يخلّدهم الأثر، وبعض الأثر يبقى حيًّا ما بقيت القلوب تعرف معنى الوفاء.


