منذ زمنٍ، أغلقتُ باب السياسة خلفي، لا يأسًا منها، بل صونًا لقلمي. فقد بلغت من الانحدار حدًّا جعل الاقتراب منها أشبه بالسير في مستنقعٍ لا يخرج الداخل إليه إلا مثقلًا بروائحه. ولم أشأ أن تحمل كلماتي شيئًا من ذلك العفن.
آثرتُ الصمت… لا لأن الكلام نضب، بل لأن الضجيج ابتلع المعنى، ولأن الحقيقة، في هذا الوطن، لم تعد تُقاس بميزان العقل، بل بميزان الولاء. هنا، لا تُناقَش الأفكار، بل تُبايَع الوجوه، ولا تُوزَن المواقف، بل تُقدَّس الأسماء.
كنت أراقب بصمت، وأقول في نفسي: ما جدوى أن تزرع فكرةً في أرضٍ أُشبِعَت بالشعارات؟
لكن للصمت عمرًا… وقد انتهى.
سأكتب…
لا عن السياسة، فهي لم تعد تستحق أن تُسمّى سياسة، بل عن حياةٍ تُذبح كل صباح على مذبح الجباية.
سأكتب عن ليتر الوقود الذي صار يقيس كرامة الناس، وعن رغيفٍ كان يومًا أبسط الحقوق فأصبح أمنيةً، وعن دواءٍ غادر الصيدليات قبل أن يغادر المرض أجساد الناس.
سأكتب عن وطنٍ يُقاس فيه الفقر بعدد الفواتير، لا بعدد الليرات.
عن عملةٍ أُفرغت من قيمتها حتى باتت تشبه أوراقًا تحمل صورة وطنٍ لم يعد موجودًا.
عن موظفٍ أفنى عُمره في الخدمة، فإذا براتبه لا يكفيه ليشتري ما يسدّ جوع أسبوع.
وعن سلطةٍ بلغت من براعتها أنها كلما أفلست… مدّت يدها إلى جيب المواطن، لا إلى دفاتر فسادها.
لكن ما يوجعني ليس هذا كله…
ما يوجعني أن كثيرًا ممن ظنناهم حراسًا للكلمة، أصبحوا حرّاسًا للسلطة.
استبدلوا الحبر بالبخور، والكلمة بالمبايعة، والقلم بالمسبحة التي لا تسبّح إلا بحمد الزعيم.
أما الناس…
فما زال كثيرون منهم يفتّشون عن الخلاص في الأصنام نفسها التي صنعت خرابهم، وكأن الذاكرة عندنا تُصاب بالعمى كلما اقترب موعد التصفيق.
لهذا سأعود إلى الكتابة…
لا لأنتصر على أحد، بل حتى لا ينتصر الصمت على الحقيقة.
فحين يصير السكوت فضيلة، يصبح الوطن أول الضحايا.


