ليس كافيًا أن نلعن الفاسدين، ولا أن نملأ الشاشات ومنصات التواصل بالشتائم والاتهامات. فذلك لا يُسقط فاسدًا، ولا يُقيم دولة، ولا يُعيد حقًا مسلوبًا.
في لبنان، الحقيقة التي يرفض كثيرون الاعتراف بها هي أن الفاسد لا يسرق الدولة وحده… نحن من نمنحه مفاتيحها ، ثم نُعيد تسليمه إياها مرةً بعد مرة.
فالسياسي الفاسد لم يهبط من السماء، ولم يقتحم مؤسسات الدولة بالقوة، بل وصل إليها عبر صناديق الاقتراع، بأصوات من عرفوا تاريخه، وتجاهلوا فساده، وفضّلوا الطائفة على الوطن، والحزب على الدولة، والمنفعة الآنية على مصلحة الأجيال.
من ينتخب الفاسد وهو يعلم فساده، ثم يشتكي من انهيار الاقتصاد، أو من ضياع الودائع، أو من البطالة، أو من هجرة أبنائه، أو من انهيار مؤسسات الدولة… إنما يشتكي من نتيجةٍ ساهم بنفسه في صنعها.
فالفساد لا يعيش من تلقاء نفسه، بل يتغذّى على ثقافة التبرير، وعلى الولاءات العمياء، وعلى الصمت، وعلى التسويات، وعلى تحويل الزعيم إلى قديس لا يُحاسب، مهما أخطأ أو سرق أو دمّر.
لقد دفع لبنان ثمن هذه الثقافة باهظًا.
دولةٌ نُهبت باسم المحاصصة، ومؤسساتٌ شُلّت باسم التوازنات، ووظائفٌ وُزّعت بالمحسوبيات، وكفاءاتٌ أُقصيت لأن ولاءها كان للوطن لا للزعيم.
وكانت النتيجة وطنًا يترنح تحت أعباء الديون، وعملةً فقدت قيمتها، ومواطنًا فقد كرامته، وشبابًا حملوا حقائبهم بدل أن يحملوا أحلامهم.
إن تغيير الوجوه لا يكفي، إذا بقيت العقلية نفسها.
ولا معنى لأي حديث عن الإصلاح، إذا بقي الصوت الانتخابي يُباع، أو يُمنح مقابل خدمة، أو يُصادَر باسم العصبية والطائفة.
فالاقتراع ليس مجرد ورقة تُرمى في صندوق، بل شهادةٌ يكتب بها المواطن مستقبل وطنه. ومن يمنحها لمن لا يستحق، لا يظلم نفسه فقط، بل يظلم وطنًا بأكمله.
لقد آن الأوان لأن ندرك أن معركة لبنان الحقيقية ليست فقط ضد الفساد… بل ضد ثقافة إنتاج الفساد.
فحين يصبح الضمير معيار الاختيار، والكفاءة معيار الثقة، والمحاسبة قاعدة لا استثناء، عندها فقط يبدأ بناء الدولة.
أما أن نستمر في انتخاب الوجوه نفسها، ثم نلعن النتائج نفسها… فذلك ليس ظلمًا للوطن فحسب، بل إصرارٌ على إعادة إنتاج المأساة، دورةً بعد أخرى.


