كلمة رئيس حزب حركة التغـيير المحامي ايلي محفوض بعد لقاء فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون على رأس وفد من الهيئة السياسية للحزب
القصر الجمهوري – بعبدا 6 تموز 2026

في الرابع عشر من تشرين الأول 2025، قلنا من هنا من القصر الجمهوري إن جوزاف عون يقرأ قبل أن يقرر، يقود قبل أن يطلب، يفاوض من موقع الدولة، ويدير بعقل الكتاب لا بعقل الغريزة. لذلك طالبنا بإعطاء هذا العهد فرصة..
اليوم، وبعد هذا اللقاء مع فخامة رئيس البلاد، أزداد اقتناعًا بأن تلك الفرصة لم تعد مجرد أمنية، بل أصبحت نافذة تاريخية.
حول لبنان اليوم فرصة إقليمية، وفرصة عربية، وفرصة دولية… وفي قلب هذه الفرص فرصة اسمها جوزاف عون. لكن الرؤساء لا يُدعَمون بالتصفيق، ولا بالاحتفالات، ولا بالشعارات. الرؤساء يُدعَمون بإنتاج الثقة. والثقة اليوم تعني حماية العهد، وتعني حماية الحكومة، وتعني تمكين الرئيس نواف سلام من استكمال هذه المهمة الوطنية مع رئيس الجمهورية، لأن لبنان لا يملك رفاهية الصراعات بين المؤسسات، بل يحتاج إلى تكاملها..
كم مرة فاجأكم جوزاف عون عندما ظن البعض أن موقع الدولة سيتراجع أو يساوم، فإذا به يثبت العكس؟ هذا رجل لا يلين أمام الضغوط، ولا يستكين أمام الحسابات الضيقة، ولا يهدأ في البحث عن إطارات للسلام اللبناني: من رفع الاحتلال، إلى حصر السلاح، إلى مد الجسور بين اللبنانيين.. تخيلوا المشهد للحظة: لو لم يكن جوزاف عون في بعبدا، ونواف سلام في السراي، أين كان لبنان سيكون؟ ولو تكرر علينا زمن الرؤساء الذين كانوا يُستعارون ولا يُنتخبون، ويُحرَّكون ولا يقودون، ويصلون كودائع لدى الآخرين…
ماذا كان بقي من الدولة؟ بكل واقعية، كنا سنكون أقرب إلى الذوبان الكامل في مشاريع الآخرين، لا إلى استعادة وطننا. لكن المشكلة اليوم ليست في الدولة، بل في من يرفض منطق الدولة. هناك من لا يزال يتعامل مع لبنان وكأنه ساحة نفوذ لا دولة ذات سيادة، ويرفض أن يسلّم بأن زمن الوصاية قد انتهى.. وفي هذا السياق، إن الهجوم الذي يشنّه البعض على اتفاق الإطار الذي وقّعه لبنان هو هجوم في غير مكانه. فهذا الاتفاق ليس تفصيلًا تقنيًا، بل خطوة وطنية أساسية، يمكن وصفها بأنها اتفاق تاريخي بامتياز، بل اتفاق الكرامة اللبنانية، لأنه يضع لبنان في موقع الشريك لا التابع، وفي موقع الدولة لا الساحة. ..
نؤكد أن هذا الاتفاق ليس من باب النكايات، ولا في إطار الحسابات السياسية الضيقة، بل هو إنجاز للدولة اللبنانية، ولرئيس الجمهورية الذي حمل هذا الملف إلى موقع يليق بمصلحة لبنان العليا، فحقق مطلبًا لبنانيًا طال انتظاره منذ سنوات. وكل الحملات التي تُشنّ على رئيس الجمهورية مردودة إلى أصحابها، الذين لم يقدموا للبنان سوى الدمار والقتل والتخريب والانهيار والاحتلال، فيما الدولة اليوم تحاول أن تستعيد قرارها ومكانتها ومؤسساتها ، كفّوا عن التعامل مع اللبنانيين كأنهم رهائن خياراتكم، واتركوهم يقررون مستقبلهم بحرية، بلا تهويل ولا وصاية ولا فرض أمر واقع.. فهذه المعركة خاسرة لكم كما خسرت كل معارك تعطيل الدولة..
إن زمن التحكّم بمصير اللبنانيين قد انتهى، وزمن فرض الإملاءات على مؤسسات الدولة لن يعود ولهذا أرى في جوزاف عون ونواف سلام ثنائيًا يتكامل ولا يتنافس، يبني ولا يهدم، ويضع الدولة فوق كل الحسابات..
ومن هنا أتوجه إلى أهلنا الشيعة، ليس للمرة الأولى ولن تكون الأخيرة: لسنا ضدكم، ولا ينبغي لأحد في هذا البلد أن يكون ضد الآخر. هذا الوطن لا يقوم بغالب ومغلوب، ولا بأكثرية تلغي أقلية، بل يقوم عندما يقتنع الجميع أن لا مستقبل لمسيحي من دون مسلم، ولا لمسلم من دون درزي، ولا للبنان من دون جميع أبنائه..
ولمن يخاف من الجيش، أقول: لا تخافوا من المؤسسة الوحيدة التي لا تسأل اللبناني عن مذهبه قبل أن تحميه. هذا الجيش ليس جيش سلطة، ولا جيش حزب، ولا جيش طائفة، بل جيش لبنان، جيش الحدود، جيش الاستقرار، وجيش الأمان..
لقد انطلق مسار جديد، مسار لا يصادر حق أحد، ولا يفرط بحق لبنان، بل يسعى إلى سلام يحفظ السيادة والكرامة وحقوق جميع اللبنانيين. أما البدائل فقد جرّبناها جميعًا.. جرّبتم وجرّبنا، وحاربتم وحاربنا، ولم يربح أحد. الخاسر الوحيد كان لبنان..
أليس آن لهذا الشعب أن يعيش كما تعيش الشعوب؟ أن يرى الملاعب بدل المتاريس، والجامعات بدل الجبهات، والسياحة بدل الخوف، والاستثمار بدل الانهيار؟ وموقفنا من أي سلاح خارج الدولة لم يتبدل، ولن يتبدل. لكن المرحلة تفرض الانتقال من تسجيل المواقف إلى صناعة الحلول، ومن لغة التخوين إلى لغة الدولة، ومن منطق السلاح إلى منطق المؤسسات.. نعم، سنعيش معًا، وسنبقى معًا، وسنعيد بناء ما تهدّم معًا، لأن أحدًا لن يعبر وحده، ولا طائفة ستبني لبنان وحدها، ولا حزب سيحمل هذا الوطن وحده ولدينا اليوم ما هو أهم من الخلافات: الجنوب ينتظر أبناءه، والبيوت تنتظر إعمارها، والناس تنتظر أموالها، والمصارف تنتظر استعادة الثقة، والمستشفيات تنتظر الحياة، والمصانع تنتظر الإنتاج، والمدارس والجامعات تنتظر مستقبلًا يليق بأولادنا..
هذه هي معركتنا الحقيقية ، إذا أحسنّا استثمار هذه اللحظة بعقل لبناني خالص، فلن يكون لبنان أقل شأنًا من أي نموذج ناجح في المنطقة أو العالم ، لدينا كل المقومات، وينقصنا فقط أن نقرر، مرة واحدة، أن يكون ولاؤنا النهائي للبنان. هذه هي الفرصة، ومن يضيّعها هذه المرة لن يكون قد خسر معركة سياسية، بل سيكون قد أضاع وطنًا .


