العميد الركن مروان زاكي (م)
أمضيت ثمانيةً وثلاثين عاماً في خدمة وطني لبنان ، وأديت القَسَم بأن أصون أرضه وشعبه ومؤسساته . ومهما قدمت ، سأبقى مديناً لهذا الوطن الذي منحني الشرف قبل الرتبة ، والانتماء قبل الوظيفة .
ومن هنا يراودني سؤال لا أبحث له عن خصومة ، بل عن جواب : كيف يمكن لضابط أقسم يمين الولاء للبنان أن يصطف سياسياً مع دولة أخرى عندما تتعارض مصالحها مع مصلحة وطنه؟
وهل يجوز أن تتقدم رابطة الطائفة على رابطة الوطن؟
وهل يصبح آخر رجل في أي دولة أخرى أقرب إليه من مواطنيه الذين يشاركونه الأرض والمصير؟
العقيدة الدينية موضع احترام وتقدير . وقد تمتد الروابط الروحية عبر الحدود ، لكن الدولة التي يحمل الإنسان جنسيتها ، والمؤسسة التي أقسم على خدمتها ، تفرضان عليه أن يكون ولاؤه الوطني فوق أي اعتبار سياسي خارجي .
إن الوطن أكبر من الطائفة ، والوطن هو المظلة التي تحمي الجميع . فإذا ضعفت هذه المظلة ، فلن تنجو منها طائفة ولا حزب ولا جماعة .
ليس المطلوب من اللبناني أن يتخلى عن معتقده أو هويته الدينية ، بل أن يجعل انتماءه الوطني هو المرجعية السياسية العليا . فالدول لا تُبنى بولاءات متعددة ، بل بولاء واحد للدستور وللعَلَم وللأرض .
لقد خدمت لبنان ثمانيةً وثلاثين عاماً ، وما زلت أؤمن أن الوطن ، بكل ما فيه من أزمات واختلافات ، يستحق أن يكون الأول في قلوب أبنائه جميعاً ، لأن الأوطان إذا ضاعت ، لن يبقى ما يحمي الطوائف ولا ما يجمع أبناءها .
من يرى أن وطنه الحقيقي خارج حدود لبنان ، فليكن صريحاً مع نفسه ، فالقسم ليس مجرد كلمات تُتلى ، بل عهدٌ يربط الضابط بوطنه ، ويجعل مصلحة الدولة فوق كل انتماء آخر . أما من اختار لبنان وطناً ، فلا يجوز أن يكون ولاؤه النهائي إلا للبنان .
ليس المقصود بهذا الكلام التعميم أو توجيه الاتهام إلى طائفة او فئة معينة . ففي كل الطوائف لبنانيون قدّموا الوطن على كل اعتبار ، وضحّوا في سبيله ، وكان ولاؤهم للبنان وحده . إنما الحديث موجّه إلى كل من يجعل مرجعيته السياسية خارج حدود وطنه ، أياً كان انتماؤه المذهبي أو الحزبي . فالمعيار ليس الطائفة ، بل الولاء الوطني . وعندما يكون لبنان هو المرجعية السياسية العليا لجميع أبنائه ، يصبح الاختلاف غنى ، لا سبباً للانقسام .


