صحيح أن الاتفاق غير متوازن ، وقد يمنح الاحتلال مكاسب سياسية أو أمنية لا يستحقها ، لكن ماذا بعد؟
إذا كان البديل هو استمرار الحرب ، والمزيد من الدمار ، وسقوط المزيد من الشهداء ، وانهيار ما تبقى من مؤسسات الدولة ، وتدمير بلدات وقرى ومدن الجنوب ، فهل يصبح رفض الاتفاق بحد ذاته حلاً؟ أم أن الحل الحقيقي يبدأ بعد الاتفاق ، عبر بناء دولة قوية تستعيد قرارها وسيادتها ، وتمنع تحويل أي هدنة إلى واقع دائم؟
التاريخ مليء باتفاقات فُرضت على الطرف الأضعف ، لكنها لم تكن نهاية المطاف . فما يحسم مستقبل الأوطان ليس نص الاتفاق ، بل قدرة الدولة والشعب على استثمار المرحلة التالية لإعادة بناء عناصر القوة ، شرط أن نتعلم من دروس الماضي ، وألا نكرر الأخطاء نفسها .
أما الاكتفاء برفض الاتفاق من دون تقديم بديل واقعي وقابل للتنفيذ ، فهو موقف قد يرضي العاطفة ، لكنه لا يغيّر الوقائع على الأرض . فالسياسة لا تُدار بالشعارات ، بل بحسابات الممكن ، وبالقدرة على حماية الناس وإنقاذ ما يمكن إنقاذه .
قد يكون الاتفاق مؤلماً ، لكنه يبقى مرحلة يمكن تجاوزها إذا أحسنّا إدارة ما بعدها . أما الخطر الحقيقي ، فهو أن يبقى لبنان أسير الانقسام ، عاجزاً عن بناء دولة تمتلك وحدها قرار الحرب والسلم ، فتتحول الاتفاقات المؤقتة إلى واقع دائم . وهنا يكمن التحدي الحقيقي ، وهنا يجب أن نبدأ من ماذا بعد؟
قد نختلف حول الاتفاق ، وقد نرفضه أو نقبل به ، لكن المسؤولية الوطنية تقتضي تقديم بديل قابل للتنفيذ ، لا الاكتفاء بالاعتراض من بعيد . فانتقاد الاتفاق أسهل بكثير من صناعته ، ومن تحمل تبعاته ، ومن إدارة مرحلة ما بعده .
النقد من دون بديل ليس مشروعاً سياسياً ، بل تعطيل . فلا هم يملكون مشروعاً قابلاً للتنفيذ ، ولا يتركون أي مشروع يمضي لإنقاذ ما تبقى من الوطن .


