العميد الركن مروان زاكي(م)
بعد توقيع الاتفاق اللبناني الإسرائيلي ، انقسم اللبنانيون بين من يراه ضرورة فرضتها الظروف ، ومن يعتبره تنازلاً لم يكن يجب الوصول إليه . لكن بعيداً عن المواقف المسبقة ، يبقى من الضروري قراءة ما جرى بواقعية بعيداً عن المبالغات .
من الواضح أن هذا الاتفاق لم يأتِ في ظل ميزان قوى متكافئ . فالاتفاقات تنتهي عادة وفق موازين القوى القائمة ، والطرف الأقوى يملك قدرة أكبر على فرض شروطه . وهذا لا يعني أن لبنان تعرض لهزيمة كاملة أو أنه فقد كل أوراقه ، لكنه يعني أن الظروف التي أُبرم فيها الاتفاق لم تكن لمصلحته .
والاعتراف بهذه الحقيقة ليس إذلالاً ، بل محاولة لفهم الواقع كما هو .
لا أرى أن المطلوب هو الاكتفاء بالشعارات أو الاستمرار في معارك مفتوحة من دون أفق واضح . فالدول تُدار بحساب الإمكانات والمصالح والنتائج ، لا بالرغبات . وعندما تصبح كلفة الاستمرار في الصراع أعلى من قدرة المجتمع على تحملها ، يصبح البحث عن خيارات أخرى أمراً مشروعاً . حتى لو كان سلبياً.
أقول ذلك بصفتي أطرح رأياً ، لا بصفتي مقاتلاً على الجبهة . فأنا لست في موقع يسمح لي بأن أطالب الآخرين بمزيد من التضحيات بينما هم من يدفع الثمن المباشر للحرب . ومن السهل على من يعيش في مكان آمن أن يدعو إلى التصعيد ، لكن من يعيش تحت النار هو من يتحمل النتائج الحقيقية لأي خيار يُتخذ .
لذلك فإن النقاش الحقيقي يجب أن يكون حول ما إذا كان هذا الاتفاق سيساعد لبنان على استعادة الاستقرار وبناء الدولة ومعالجة أزماته ، أم أنه سيكون مجرد هدنة مؤقتة تسبق أزمات جديدة . فالعبرة ليست في توقيع الاتفاق بحد ذاته ، بل فيما سيليه !؟.
وفي جميع الأحوال ، يبقى اتخاذ القرار أفضل من البقاء في حالة اللاقرار . فقد يكون القرار صائباً أو خاطئاً ، لكن يمكن دائماً مراجعته وتصحيحه . أما اللاقرار فلا ينتج سوى المزيد من الاستنزاف والانتظار . فالدول لا تتقدم لأنها لا تخطئ ، بل لأنها تملك القدرة على اتخاذ الخيارات وتحمل مسؤولية نتائجها .


