وليد ج. هلال
العقيدة من أقوى القوى التي تحرك الإنسان. فهي لا تمنحه تفسيراً للحياة فحسب، بل تمنحه هوية وانتماءً ومعنىً يجعله مستعداً للتضحية من أجل ما يؤمن به.

تنشأ العقيدة من تفاعل الخوف من المجهول والموت مع العقل والعاطفة والبيئة التي يعيش فيها الإنسان. ومع مرور الزمن تتحول من فكرة إلى يقين، ومن يقين إلى جزء من هوية الفرد والجماعة.
لكن قوة العقيدة هي نفسها مصدر خطرها. فكلما ترسخت في النفس، أصبحت جزءاً من شخصية الإنسان، حتى إن المساس بها لا يُفهم أحياناً كمناقشة لفكرة، بل كاعتداء على الذات. وهنا يضيق مجال الحوار ويتسع مجال التعصب.
في السياسة، يبقى الخلاف عادة ضمن إطار وجهات النظر والاجتهادات القابلة للتغيير. أما في العقيدة الدينية، فالمؤمن ينطلق من حقيقة يعتبرها مقدسة وغير قابلة للمساومة. لذلك تختلف ردة الفعل تجاه النقد أو التشكيك، ويصبح الحوار أكثر حساسية وتعقيداً.
وتبلغ المشكلة ذروتها عندما تدخل العقيدة إلى السياسة. فحين يرى فريق أن القتال والمقاومة واجب عقائدي، بينما يرى فريق آخر أن المفاوضات والدبلوماسية هي الطريق الأنسب، لا يعود الخلاف على الوسيلة فقط، بل على المرجعية نفسها التي تحدد القرار.
هنا تظهر أهمية الدولة. فالمجتمعات المتعددة العقائد لا تستطيع الاستمرار من دون مرجعية مشتركة تنظم العلاقة بين الجميع. لكن هذه المرجعية يجب أن تكون قوية وعادلة في آن واحد. فالقوة بلا عدالة تتحول إلى هيمنة، والعدالة بلا قوة تتحول إلى عجز.
ولعل مشكلة لبنان ليست في تعدد عقائده وطوائفه، بل في غياب مرجعية وطنية عادلة يثق بها الجميع. فعندما تضعف الدولة، يعود كل فريق إلى طائفته أو حزبه أو عقيدته طلباً للحماية واليقين.
العقائد باقية وستبقى، لكن استقرار الأوطان لا يتحقق عندما تنتصر عقيدة على أخرى، بل عندما يشعر الجميع أن الدولة هي المرجعية العليا التي تحمي الجميع وتطبق القانون على الجميع بعدل ومساواة.


